حين تُغلق السلطة أبواب السجون، لا يعني ذلك أنها أغلقت الحقيقة؛ وحين تقطع الإنترنت، وتحجب المنصات، وتطارد الصحفيين، وتراقب مصادر المعلومات، فإنها لا تواجه أزمة أمنية فحسب، بل تدخل في معركة أعمق: معركة السيطرة على الرواية. ففي روجهلات كردستان لم تكن المعلومة يوماً مسألة تقنية محايدة، لأن ما يُنشر عن الاحتجاج أو الاعتقال أو الإعدام أو القمع يمكن أن يتحول إلى شهادة سياسية، وما يُحجب يمكن أن يصبح دليلاً على طبيعة السلطة التي تخشى وصوله إلى الجمهور.
من هنا تبدأ أهمية دراسة الإعلام المستقل في روجهلات؛ ليس باعتباره ناقلاً للأحداث، وإنما باعتباره أحد ميادين الصراع على تعريف الحقيقة وتحديد من يملك حق رواية ما يحدث. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن السلطة تستطيع منع الصحفي من الوصول إلى مكان الحدث، بل في قدرتها على إنتاج رواية بديلة تشوه الحقيقة، وتغمر المجال العام بالمعلومات الموجهة، وتحوّل الضحية إلى متهم، والاحتجاج إلى تهديد أمني، والمطالبة بالحقوق إلى قضية أمن قومي. وفي مثل هذه البيئة، يصبح السؤال عن استقلال الصحافة سؤالاً عن استقلال الذاكرة السياسية نفسها.
تكتسب هذه الإشكالية بُعداً أكثر تعقيداً في الحالة الكردية، لأن روجهلات كردستان لا تواجه فقط قيود الصحافة في دولة شديدة المركزية، بل تواجه أيضاً صراعاً على اللغة والمصطلح والهوية وموقع القضية الكردية داخل التصورات المتنافسة لمستقبل إيران. ولذلك فإن الحديث عن الإعلام الذي يغطي روجهلات لا ينفصل عن سؤال أكبر: هل يستطيع الإعلام أن يمنح شعباً جرى تهميش صوته مساحة مستقلة لتعريف قضيته، أم أن الرواية الكردية ستظل مضطرة دائماً إلى المرور عبر مراكز سياسية وإعلامية لا تنتمي إلى تجربتها التاريخية؟
في هذه المنطقة الفاصلة بين الخبر والسياسة والهوية وحقوق الإنسان، تبرز تجربة علي جوانمردي ومشروع Ava Today بوصفهما حالة بحثية تستحق الدراسة، لا باعتبارها سيرة صحفي أو مساراً مهنياً لشخصية إعلامية، وإنما باعتبارها نموذجاً يمكن من خلاله اختبار أسئلة أوسع حول قدرة الإعلام المستقل على العمل في بيئة مغلقة، وحول آليات الوصول إلى المعلومة والتحقق منها، وحماية المصادر، ومواجهة التضليل، وتحويل الأحداث المحلية إلى قضية مطروحة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.
ولا تنبع أهمية هذه التجربة من مجرد الوصول إلى المعلومات القادمة من روجهلات، وإنما من طبيعة المعركة التي تجري حول تلك المعلومات بعد وصولها. فالإعلام المستقل لا يعمل في فراغ؛ بل يتحرك بين سلطة تمتلك أدوات القمع والرقابة، وقوى سياسية تمتلك رواياتها ومصالحها، وجمهور يبحث عن حقيقة لا يجدها دائماً في الإعلام الرسمي. و هنا يصبح الصحفي أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يحافظ على استقلاله عندما تتعدد الضغوط؟ وكيف يمكن أن يدافع عن حق شعب في أن تُسمع قضيته دون أن يتحول إلى واجهة حزبية؟ وأين تقع الحدود بين المهنية الصحفية والانحياز الأخلاقي لقضايا الحرية وحقوق الإنسان؟
لكن السؤال لا يتوقف عند الجمهورية (الإسلامية). فحتى لو تغيّرت السلطة في طهران، فإن تغيير رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوط البنية التي أنتجت التهميش و العقلية القمعية. وهنا تفرض روجهلات نفسها على أي نقاش جدي حول مستقبل إيران: هل ستكون الدولة المقبلة قادرة على الانتقال من منطق المركز الواحد إلى دولة تعترف بتعدد مكوناتها وحقوقها السياسية والقومية؟ أم أن سقوط نظام مركزي قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج المركزية بأدوات جديدة وتحت شعارات جديدة؟ فهذه المسألة تجعل الإعلام الكردي طرفاً في نقاش مستقبلي يتجاوز حدود التغطية الصحفية إلى السؤال عن شكل الدولة، وطبيعة المواطنة
كما أن روجهلات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأجزاء الأخرى من كردستان. فالأحداث السياسية والأمنية والإعلامية في روژهلات تتقاطع، بدرجات مختلفة، مع تجارب روژافا وباشور وباكور، فيما تظل المسألة الكردية موزعة على دول وحدود سياسية مختلفة. ومن ثم فإن دراسة الإعلام الكردي تفتح نافذة على سؤال آخر: هل يستطيع الإعلام أن يكون مساحة للتواصل بين هذه التجارب المختلفة، وأن يحافظ على خصوصية كل جزء من كردستان دون أن يفقد فكرة وحدة القضية والمصير؟
ينطلق هذا البحث، إذن، من فرضية أساسية مفادها أن دراسة الإعلام المستقل في روجهلات ليست دراسة للصحافة وحدها، بل دراسة لعلاقة الحقيقة بالسلطة، ولعلاقة الإعلام بالهوية، ولعلاقة المعلومة بحقوق الإنسان، ولعلاقة حرية التعبير بمستقبل الدولة. ومن خلال اتخاذ تجربة علي جوانمردي وAva Today نموذجاً تطبيقياً، يسعى البحث إلى تفكيك هذه العلاقة في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، بعيداً عن تحويل الدراسة إلى سيرة شخصية أو احتفاء مهني، وبعيداً كذلك عن اختزال الصحافة الكردية في وظيفتها الخبرية.
وتأتي الشهادة المباشرة لعلي جوانمردي داخل هذه الدراسة بوصفها مصدراً من مصادر البحث، تتيح مقارنة الخبرة الميدانية بالتحليل النظري، وفحص المسافة بين ما تقوله المؤسسات وما يعيشه الصحفي والمصدر والجمهور على الأرض. فالقيمة العلمية للحوار لا تكمن في عدد السنوات التي قضاها الصحفي في المهنة، وإنما في ما تكشفه تجربته عن بنية العمل الإعلامي في بيئة تتداخل فيها الرقابة مع السياسة، والمعلومة مع الأمن، والهوية مع الصراع على مستقبل الدولة.
وعليه، فإن هذا البحث لا يسأل فقط: ماذا غطّى علي جوانمردي؟ بل يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا تكشف تجربة إعلامية مستقلة من روجهلات عن النظام السياسي الذي حاول احتكار الحقيقة، وعن المجتمع الذي حاول استعادة صوته، وعن مستقبل قضية لم تعد قابلة للاختزال في حدود الخبر اليومي؟
لا تبدو وحدة المصير الكوردي في تجربة علي جوانمردي فكرةً عاطفية تتوقف عند حدود الانتماء القومي، بل قضية سياسية تتصل بطبيعة الظروف التي فُرضت على الكورد عبر الحدود. فكوردستان، وإن قُسّمت بفعل خرائط الدول والاتفاقات السياسية، لم تفقد الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية التي تجعل ما يحدث في جزء منها قادراً على ترك أثر في الأجزاء الأخرى. إذ تبرز أهمية النظر إلى القضية الكردية بوصفها قضية مترابطة، مع الاعتراف في الوقت نفسه بالاختلافات السياسية والقانونية التي تحكم كل جزء من أجزاء كردستان.
وتقوم رؤية جوانمردي، كما تظهر من تجربته الإعلامية واهتمامه بروجهلات، على عدم التعامل مع الكرد باعتبارهم قضية محلية محصورة داخل حدود إيران. فروجهلات كردستان بالنسبة إليه ليست جزيرة سياسية منفصلة عن محيطها الكردي، وإنما جزء من فضاء أوسع تتقاطع داخله الذاكرة والهوية والتجارب السياسية. ولذلك فإن متابعة ما يجري في روجهلات تفرض بطبيعتها النظر إلى روژافا وباشور وباكور، لا بهدف إلغاء خصوصية كل جزء، وإنما لفهم الصورة الكردية الأوسع.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تضعنا أمام إشكالية دقيقة: كيف يمكن الحديث عن وحدة المصير دون الوقوع في اختزال التجارب الكردية المختلفة في نموذج سياسي واحد؟ فالكرد في الأجزاء الأربعة يواجهون دولاً وقوانين وبنى سياسية مختلفة، كما تختلف طبيعة الحركات والأحزاب والمؤسسات التي تمثلهم. ولذلك فإن وحدة المصير لا تعني بالضرورة وحدة الأدوات السياسية، ولا تعني إلغاء خصوصية كل جزء، بل يمكن فهمها باعتبارها تقاطعاً في الحقوق الأساسية والذاكرة والهوية والمصالح الاستراتيجية.
إذ تكتسب الأحزاب الكردية أهمية خاصة في قراءة مستقبل القضية. فالتعدد الحزبي يمكن أن يكون مصدراً للقوة عندما ينتج تنوعاً سياسياً وفكرياً، لكنه قد يتحول إلى عامل استنزاف عندما يصبح الخلاف الداخلي أقوى من القضايا التي يفترض أن تجمع القوى الكردية. وتجربة الإعلام المستقل هنا تكشف جانباً مهماً من هذه الإشكالية، لأن الإعلام يستطيع أن يكون مساحة للحوار بين الاتجاهات المختلفة، لكنه يستطيع أيضاً أن يتحول إلى ساحة أخرى للصراع إذا خضع للاستقطاب الحزبي.
وتبدو روجهلات في هذا النقاش حالة شديدة الخصوصية. فالكرد هناك لا يواجهون فقط قضية الاعتراف بالهوية والحقوق القومية، وإنما يواجهون نظاماً سياسياً شديد المركزية و القمعية و يضع مفهوم الدولة الواحدة فوق الاعتراف الحقيقي بالتعدد القومي والسياسي. ولذلك فإن السؤال عن مستقبل روجهلات لا يمكن فصله عن السؤال عن مستقبل إيران نفسها: هل ستبقى الدولة المقبلة أسيرة النموذج المركزي، أم ستنتقل إلى صيغة سياسية تعترف بالتعدد وتمنح الشعوب والمكونات حقوقاً حقيقية في إدارة شؤونها والمشاركة في صياغة مستقبلها كالفيدرالية أو الكونفدرالية ؟
وهنا تكتسب رؤية جوانمردي أهميتها من كونها تنقل النقاش من شعار «وحدة الكرد» إلى سؤال أكثر تعقيداً حول كيفية تحويل وحدة المصير إلى وعي سياسي وإعلامي مشترك، دون إلغاء الاختلافات بين التجارب الكردية. فالمطلوب ليس أن تتطابق روجهلات مع روژافا أو باشور أو باكور، وإنما أن تدرك هذه الأجزاء أن اختلاف ظروفها لا يلغي وجود قضايا مشتركة تتعلق بالهوية والحقوق والحرية والتمثيل السياسي.
كما تكشف هذه الرؤية عن وظيفة أخرى للإعلام الكردي المستقل؛ إذ يستطيع أن يربط بين الأحداث التي تبدو منفصلة جغرافياً، وأن يضع قضية روجهلات ضمن خريطة كردية أوسع، وأن يمنح الجمهور فرصة لفهم التحولات في كل جزء بعيداً عن الروايات الرسمية للدول التي قسمت كردستان. وفي هذه النقطة تحديداً تصبح الصحافة أكثر من وسيلة لنقل الأخبار، وتتحول إلى مساحة لإعادة بناء الوعي المشترك.
غير أن وحدة المصير لا يمكن أن تُبنى على تجاهل الواقع السياسي. فالقضية الكردية تحتاج إلى قراءة واقعية لتوازنات القوى، ولطبيعة الدول التي يعيش الكرد داخلها، وللتحولات الإقليمية والدولية، وللدور الذي يمكن أن تؤديه القوى السياسية الكردية في أي مرحلة انتقالية. ولذلك فإن مستقبل الكرد لن تحدده الشعارات وحدها، بل قدرتهم على إنتاج رؤية سياسية تتجاوز الانقسامات وتتعامل بوعي مع اختلاف الظروف بين أجزاء كردستان.
و موقف علي جوانمردي يطرح جزءاً من نقاش أوسع حول سؤال ظل حاضراً في الوعي الكردي الحديث: هل تستطيع الأجزاء الأربعة، رغم اختلاف تجاربها السياسية، أن تنظر إلى مستقبلها باعتباره مترابطاً؟ إن الإجابة لا تتطلب إلغاء الحدود القائمة، بقدر ما تتطلب الاعتراف بأن الحدود السياسية لم تستطع إلغاء الذاكرة المشتركة، وأن مستقبل كل جزء قد يتأثر بما يحدث في الأجزاء الأخرى.
وهنا تتحول وحدة المصير من عبارة سياسية إلى قضية بحثية مفتوحة على أسئلة المستقبل: وحدة في ماذا؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي صيغة سياسية و عدالة انتقالية؟ وكيف يمكن الحفاظ على خصوصية كل جزء مع بناء رؤية كردية تتجاوز الجغرافيا المفروضة؟
لا يمكن قراءة تجربة علي جوانمردي من خلال سيرته المهنية وحدها، لأن أهم ما فيها لا يرتبط بعدد المؤسسات التي عمل معها أو السنوات التي أمضاها في المجال الإعلامي، وإنما بالمساحة التي اختار أن يعمل داخلها: مساحة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الصحافة مع السياسة، والمعلومة مع الأمن، والهوية مع الصراع على تعريف مستقبل كوردستان و إيران. ومن هذه الزاوية تبرز تجربة جوانمردي بوصفها نموذجاً إعلامياً يستحق الدراسة، لا باعتبار صاحبه شخصية إعلامية فحسب، وإنما باعتبار تجربته مدخلاً لفهم طبيعة العمل الصحفي المستقل عندما تصبح المعلومة نفسها موضع نزاع.
ينتمي جوانمردي إلى مهاباد، المدينة التي تحمل في الذاكرة السياسية الكوردية رمزية تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما منح تجربته الإعلامية اتصالاً مباشراً بقضايا روجهلات كوردستان وتحولاتها السياسية والاجتماعية. غير أن أهمية هذه الخلفية لا تكمن في المكان بوصفه معلومة شخصية، بل في علاقتها بنوع القضايا التي اختار الإعلام تناولها، وبالأسئلة التي ظلت حاضرة في تغطيته: من يروي ما يحدث في روجهلات؟ ومن يحدد المصطلحات التي تُستخدم لوصفه؟ ومن يملك القدرة على إيصال صوت المجتمعات التي لا تصل روايتها بسهولة إلى الإعلام الدولي؟
فقد جاءت Ava Today باعتبارها أكثر من منصة لنشر الأخبار. فقد ارتبطت بتقديم محتوى يتناول التطورات السياسية والحقوقية في إيران، مع اهتمام خاص بما يجري في المناطق الكوردية، في بيئة يصعب فيها الوصول المستقل إلى المعلومات، وتتعرض فيها مصادر الأخبار لضغوط أمنية وسياسية متباينة. ولذلك فإن دراسة Ava Today لا ينبغي أن تنحصر في تاريخ تأسيسها أو طبيعة محتواها، بل في النموذج الإعلامي الذي تمثله: كيف يمكن لمنصة مستقلة أن تعمل خارج الحدود المباشرة للرقابة، وأن تبني شبكة من المصادر، وأن تتعامل مع أحداث تجري في بيئة مغلقة، ثم تنقلها إلى جمهور أوسع؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تكون الأحداث نفسها مرتبطة بقضايا شديدة الحساسية، كالاحتجاجات الكوردية، والاعتقالات، والإعدامات، والانتهاكات داخل السجون، والحركات السياسية المعارضة. ففي مثل هذه الحالات لا يكون نشر الخبر فعلاً محايداً من الناحية السياسية، لأن مجرد وصول المعلومة إلى المجال العام قد يغيّر طريقة النظر إلى الحدث، ويمنح الضحية اسماً وصوتاً، ويضع الرواية الرسمية أمام رواية أخرى تنافسها على تفسير الحقيقة.
وهنا يمكن النظر إلى تجربة جوانمردي وAva Today باعتبارها حالة تكشف التحول الذي طرأ على وظيفة الإعلام الكوردي المستقل. فالإعلام لم يعد مجرد وسيط بين الحدث والجمهور، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع حول الذاكرة والتوثيق والتمثيل السياسي. وكلما ضاقت مساحة التعبير داخل روجهلات، ازدادت أهمية المنصات التي تستطيع نقل أصوات الداخل إلى الخارج .
لا تكمن المعضلة السياسية للكرد في روجهلات في مواجهة سلطة الجمهورية (الإسلامية) وحدها، وإن كانت هذه السلطة تمثل النموذج الأكثر وضوحاً في ممارسة القمع السياسي والأمني والقومي، وإنما تمتد لسؤال أكثر حساسية يتعلق بما يمكن أن يأتي بعد هذه السلطة. فإسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة إسقاط البنية السياسية التي أنتجت الاستبداد ، وإذا بقيت فكرة الدولة المركزية كما هي، فقد يتغير الحاكم بينما تبقى العلاقة نفسها بين المركز مع روجهلات.
ومن هنا يمكن فهم موقف علي جوانمردي من المعارضة الإيرانية باعتباره موقفاً يتجاوز الاصطفاف التقليدي بين «النظام» و«المعارضة». فرفض قمع الجمهورية الإسلامية لا يعني، في رؤيته، منح المعارضة شيكاً مفتوحاً على حساب حقوق الكورد وبقية الشعوب والمكونات. فالخروج من سلطة مركزية لا يحقق تحولاً ديمقراطياً حقيقياً إذا كان البديل يريد إعادة إنتاج الدولة بالطريقة ذاتها، مع استبدال الوجوه والشعارات فقط.
إذ وتبرز واحدة من أكثر المفارقات السياسية إلحاحاً في المشهد الإيراني: قوى تعارض الجمهورية الإسلامية لأنها ترفض استبدادها، لكنها قد تتمسك في الوقت نفسه بتصور مركزي للدولة يضع القرار السياسي والثقافي والاقتصادي في مركز واحد. وعند هذه النقطة يصبح السؤال الكوردي اختباراً حقيقياً لجدية أي مشروع معارض؛ إذ لا يكفي الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان إذا لم يمتد هذا الخطاب إلى حق الشعوب غير الفارسية في أن تكون شريكاً حقيقياً في تحديد شكل الدولة الذي يناسبها .
إذ أصبحت مواجهة جوانمردي للخطاب المركزي داخل المعارضة امتداداً منطقياً لفكرة استقلال الإعلام التي تقوم عليها تجربته. فالصحفي المستقل لا يفترض أن يكون معارضاً للسلطة فقط، بل يجب أن يمتلك القدرة على مساءلة المعارضة أيضاً عندما تتعارض مشاريعها مع حقوق الشعوب التي يدافع عنها. وهذه النقطة تمنح تجربته أهمية سياسية تتجاوز التغطية الإخبارية، لأن استقلال الصحافة يُختبر فعلياً عندما يكون النقد موجهاً إلى الطرف الذي يفترض أنه يقف في الجهة المقابلة للسلطة.
ولا يعني ذلك وضع الجمهورية الإسلامية والمعارضة المركزية في مستوى واحد من حيث أدوات القمع أو طبيعة السلطة أو حجم الانتهاكات؛ فهناك فارق جوهري بين نظام حاكم يمتلك مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والقمعية، وبين قوى معارضة تتنافس على تصور المستقبل. لكن التشابه الذي يستحق الوقوف عنده يكمن في منطق المركزية نفسه عندما يُنظر إلى وحدة الدولة باعتبارها مبرراً لتقييد التعدد القومي والسياسي، أو عندما تصبح حقوق المكونات مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد «إنقاذ إيران».
وهنا تبرز القضية الكوردية بوصفها معياراً لاختبار أي مشروع إيراني جديد. فإذا كانت المعارضة تريد بناء دولة ديمقراطية بالفعل، فإن عليها أن تجيب بوضوح عن أسئلة لا يمكن تأجيلها: ما موقع الكورد في الدولة المقبلة؟ هل ستكون هناك صيغة حقيقية لتقاسم السلطة؟ هل ستُعترف بالحقوق القومية واللغوية والثقافية؟ هل ستكون العلاقة بين المركز والأقاليم قائمة على الشراكة أم على الوصاية؟ وهل تستطيع المعارضة أن تتخلى عن احتكار المركز لتعريف الهوية الإيرانية؟
لذلك فإن موقف جوانمردي من المعارضة المركزية لا ينبغي اختزاله في تأييد طرف أو رفض طرف، بل يُقرأ باعتباره دفاعاً عن مبدأ سياسي أكثر اتساعاً: لا ديمقراطية حقيقية في إيران إذا بقيت حقوق الكورد رهينةً للمركز، ولا معنى لسقوط الاستبداد إذا ورثت المعارضة منطقه السياسي.
تُعدّ العلاقة بين الأحزاب الكردية المعارضة في روجهلات واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد السياسي الكردي، ليس بسبب تعدد التيارات والرؤى فحسب، وإنما لأن هذا التعدد يتحرك داخل بيئة سياسية وأمنية شديدة القسوة، تجعل الانقسام الداخلي أكثر كلفة من أي وقت مضى. فبينما تواجه القوى الكردية سلطة مركزية تمتلك مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية، تبدو قدرتها على التأثير في مستقبل روجهلات مرتبطة، إلى حد كبير، بقدرتها على تجاوز الخلافات التي تستنزف طاقتها السياسية وتحول دون بناء رؤية مشتركة للقضايا المصيرية.
إذ يكمن موقف علي جوانمردي من الأحزاب الكوردية المعارضة باعتباره امتداداً لفكرة أوسع تقوم على أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة قومية، وأن تعدد الأحزاب يمكن أن يكون مصدر قوة إذا بقيت المصلحة الكوردية هي الإطار الجامع لهذا التعدد. فوجود تيارات سياسية مختلفة ليس بالضرورة مشكلة؛ المشكلة تبدأ عندما تصبح الخلافات الحزبية أقوى من القضية التي يفترض أن تمثلها هذه الأحزاب.
وتظهر أهمية هذا الموقف بصورة خاصة في روجهلات، حيث لا تواجه الأحزاب الكوردية خصماً سياسياً عادياً، وإنما تعمل في مواجهة منظومة دولة شديدة المركزية، إلى جانب بيئة أمنية تجعل التنظيم السياسي والعمل الميداني والإعلامي محفوفاً بالمخاطر. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تشتت الخطاب السياسي الكوردي عاملاً يمكن أن تستفيد منه السلطة، بينما يمكن للتنسيق بين القوى المختلفة أن يمنح القضية قدرة أكبر على الحضور والتأثير.
و فهم الدور الذي سعى جوانمردي إلى أدائه من خلال الإعلام بوصفه محاولة لفتح مساحة تتجاوز الاصطفافات الحزبية الضيقة. فالإعلام، عندما يحتفظ باستقلاله، يستطيع أن يضع القوى السياسية أمام أسئلة مشتركة تتعلق بمستقبل روجهلات، وأن يخلق مساحة للحوار بدلاً من الاكتفاء بنقل الخلافات..
وهنا تبرز إحدى النقاط الأكثر أهمية في رؤية جوانمردي: الوحدة المطلوبة ليست وحدة أحزاب، وإنما وحدة مصلحة. فالأحزاب يمكن أن تبقى مختلفة، والبرامج يمكن أن تتباين، والقيادات يمكن أن تتنافس، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنعها من الاتفاق على القضايا التي تمس وجود المجتمع الكوردي ومستقبله. وهذه المعادلة، إذا تحولت إلى ممارسة سياسية، يمكن أن تنقل التعدد الحزبي من حالة تنازع داخلي إلى مصدر قوة تفاوضية وسياسية.
و تضامن لا يظهر عند الأزمات ثم يتراجع مع انتهائها. فالمطلوب هو الانتقال من التضامن الظرفي إلى بناء آليات حقيقية للتنسيق السياسي، ومن ردود الفعل إلى صياغة رؤية مشتركة للقضايا الكبرى، ومن التنافس على تمثيل الكورد إلى التنافس على تقديم أفضل مشروع لخدمتهم. وهذه مسؤولية تقع على عاتق الأحزاب نفسها قبل أن تقع على عاتق الإعلام.
ومن هنا يمكن النظر إلى دور جوانمردي بوصفه جزءاً من محاولة أوسع لإعادة طرح السؤال الكوردي من زاوية مختلفة: هل تستطيع القوى السياسية في روجهلات أن تجعل اختلافاتها وسيلة لإثراء المشروع الكوردي، لا سبباً لإضعافه؟ فالمصلحة الكوردية لا تعني إلغاء التعدد، بل تعني بناء مظلة سياسية أوسع تستطيع استيعابه.
وفي النهاية، فإن قوة الأحزاب الكوردية في روجهلات لن تُقاس فقط بعدد بياناتها أو حجم حضورها السياسي، وإنما بقدرتها على إدراك أن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة، وأن أي تحول سياسي في إيران سيحتاج إلى موقف كردي واضح ومتوازن وموحد في القضايا الأساسية.
تكشف دراسة تجربة علي جوانمردي أن أهمية الصحفي لا تُقاس فقط بما ينقله من أخبار، وإنما بما يتركه من أثر في معركة توثيق الحقيقة عندما تصبح المعلومة نفسها هدفاً للقمع. فمن خلال حضوره الإعلامي وارتباطه بملفات روجهلات كوردستان وإيران، تبرز تجربة تنتمي إلى نوع من الصحافة التي لم تتعامل مع الانتهاكات باعتبارها أحداثاً عادية في دورة الأخبار، بل باعتبارها وقائع تحتاج إلى التوثيق الحقوقي والمتابعة وإبقاء الضحايا حاضرين في المجال العام.
ومن منظور مركز الخليج للدراسات الإيرانية، تمثل تجربة جوانمردي إحدى التجارب الإعلامية المهمة التي يمكن من خلالها دراسة تطور الإعلام المستقل في روجهلات وقدرته على نقل القضايا الكوردية إلى المجالين الإقليمي والدولي. ولا تأتي أهمية هذه التجربة من كونها مرتبطة بشخص واحد، وإنما من كونها تتيح للباحثين فحص العلاقة بين الصحافة المستقلة، والتوثيق الحقوقي، والتحليل السياسي، والقضية الكوردية داخل إيران.
والقيمة الأساسية في هذه التجربة تكمن في استمرار حضور روجهلات داخل النقاش الإعلامي والسياسي، وعدم السماح بتحويل الانتهاكات التي يتعرض لها الكورد في روجهلات و وسائر الشعوب والمكونات في إيران إلى أرقام معزولة عن سياقها السياسي والإنساني. فالتوثيق الحقيقي لا يكتفي بتسجيل وقوع الانتهاك، وإنما يبحث في الظروف التي أنتجته و تورطت به، والجهات المسؤولة عنه، وآثاره على المجتمع، وموقعه ضمن البنية السياسية والقانونية للدولة.
وهنا تصبح تجربة جوانمردي جزءاً من ذاكرة إعلامية أوسع تتجاوز الأشخاص والمنصات، وتطرح سؤالاً حول مستقبل الصحافة الكوردية المستقلة: هل تستطيع الانتقال من مرحلة نقل الانتهاكات إلى بناء مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، وتدريب الصحفيين، وحماية المصادر، وتطوير أدوات التحقق، وإيصال القضايا المحلية إلى المؤسسات البحثية والحقوقية الدولية؟ فمستقبل هذا النوع من الإعلام سيكون مرتبطاً بقدرته على الاستمرار بوصفه مؤسسة مستقلة، لا مجرد رد فعل على الأحداث.
ويؤكد مركز الخليج للدراسات الإيرانية أن هذه التجارب لا تهدف إلى صناعة رموز إعلامية أو منح أي شخصية حصانة من النقد، وإنما إلى توثيق النماذج التي ساهمت في إبقاء قضايا الشعوب المقهورة حاضرة في المجال العام. فتجربة علي جوانمردي تستحق أن تُقرأ باعتبارها نموذجاً بحثياً في الإعلام المستقل الذي عمل في واحدة من أكثر البيئات السياسية والأمنية تعقيداً في المنطقة، وباعتبارها مادة يمكن للباحثين من خلالها دراسة العلاقة بين الإعلام والسلطة والهوية وحقوق الإنسان.
فقيمة أي صحفي تُختبر عندما يصبح قول الحقيقة مكلفاً، وقيمة الإعلام تُقاس عندما يستطيع أن يحفظ صوت من لا يستطيع الوصول إلى المنبر.
ويضع مركز الخليج للدراسات الإيرانية تجربة علي جوانمردي ضمن النماذج الإعلامية المهمة في تغطية روجهلات والانتهاكات في إيران، لا بوصفها تجربة مكتملة أو فوق النقد، وإنما بوصفها تجربة جديرة بالدراسة والتوثيق، لأنها تكشف كيف يمكن للإعلام المستقل أن يتحول من ناقل للحدث إلى شاهد عليه، ومن شاهد إلى جزء من الذاكرة الجمعية التي يصعب على القمع محوها.
إن ما يبقى في النهاية ليس اسم المنصة وحده ولا عدد الأخبار التي نُشرت، وإنما الشهادة التي وصلت، والانتهاك الذي جرى توثيقه، والصوت النزيه الذي يتحمل مسؤولية أن يكون صوت كلّ الشعوب المقهورة .
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية