الإمام الشهيد قاضي محمد... مؤسس الدولة الكُردية

- 26 يناير 2024 - 74 قراءة

أحد أبرز الزعماء الكُرد... وقائد أول جمهورية كُردية في التاريخ الحديث

 

أراد الجلادون عند إعدامه أن يعصبوا عينيه لكنه رفض قائلًا: "أنا لا أشعر بالعار لكي يعصب عيني أمام أمتي"

 

آخر كلمة على لسان الشهيد قاضي محمد كانت: "عاشت الأمة الكُردية، عاش تحرير كُردستان"

 

 

قاضي محمد، هو أحد أبرز الزعماء الكُرد، وهو رئيس أول "جمهورية مهاباد"، أول جمهورية كُردية في التاريخ الحديث، وكان مدرسًا وزعيمًا دينيًا، اتسم طوال حياته بنكران الذات، لذلك أحبه أبناء شعبه وأطلقوا عليه لقب "الإمام".

وُلد قاضي محمد في مدينة مهاباد عام 1901. وكان الده هو القاضي المعروف علي بن قاسم بن ميرزا أحمد، وأمه من عشيرة "فيض الله بك" الذائعة الصيت في مملكة موكريان.

تمتع الإمام منذ مطلع صباه بثقافة واسعة، بسبب تبحره في أمور الشريعة والفقه الإسلامي والدين، وإتقانه اللغات العربية والتركية والفارسية والفرنسية والإلمام باللغة الإنجليزية والروسية إلى جانب لغته الأم الكُردية، فضلًا عن شخصيته الساحرة التي تثير محبة وتعاطف كل من يقابله، وتواضعه وشجاعته وإيمانه العميق بحقوق شعبه في الحياة، وبضرورة النضال من أجل تحقيق هذه الحقوق المشروعة.

ورغم تحدّر قاضي محمد من أسرة ثرية في المنطقة، إلا أن ذلك لم يدفعه إلى الغرور أو الابتعاد عن معاناة شعبه، فتميز بعلاقاته الوثيقة بين أوساط الفقراء والمعدمين وحرصه على تلبية حاجاتهم ومساعدتهم في حل مشكلاتهم وتجاوز أزماتهم، من خلال حرصه على الاستماع إليهم والرد على أسئلتهم الدينية والشرعية والدنيوية. كما كان يدعو إلى نشر التعليم والثقافة بين الكُرد من أجل مواجهة الاضطهاد والظلم الواقع عليهم.

 

سيرة كفاح كُردية

 

خلال سنوات حياته، كان قاضي محمد متفهمًا للواقع المرير الذي تعيشه الجماهير الكُردية، متلمسًا معاناة الناس وإحساسهم بالغبن والتغييب الذي يقع على كامل القضية الكُردية، لذلك كرس كل وقته وجل اهتمامه في مصلحة الكُرد والتطلع نحو مستقبلهم وحياتهم، ليس في منطقة "مهاباد" فحسب، بل في مجمل المناطق التي تعيش فيها المجتمعات الكردية.

وفي ثلاثينيات القرن الماضي، انضم قاضي محمد إلى حزب "خويبون"، الذي أعلن نضاله من أجل وطن قومي للكُرد في عام 1927 بمعاونة إحسان نوري باشا، حيث بدأ نشاطه السياسي في كُردستان الشمالية.

وفي عام 1944 تشكلت منظمة كُردية باسم "جمعية الإحياء الكُردي"، مهدت لقيام "الحزب الديمقراطي الكُردستاني" في إيران، الذي أصبح قاضي محمد أحد مؤسسيه الأوائل.

وكان برنامج الحزب يتلخص في تحقيق الحرية في إيران، والحكم الذاتي لكُردستان داخل الحدود الإيرانية، والإخاء مع الشعب الأذربيجاني وكل الأقليات غير الفارسية، وانتشرت شعبية الحزب في المنطقة، وضمت مختلف فئات الكُرد.

وفي 16 ديسمبر/كانون الأول 1945، ووسط جمع غفير كان مجتمعًا في ساحة "جوار جرا" في مهاباد، وفي أجواء احتفالية كبيرة، أعلن قاضي محمد في ذلك اليوم التاريخي، استقلال منطقة موكريان عن حكومة طهران، فنكسوا علم حكومة طهران من المؤسسات والمدارس، ورفعوا علم كُردستان بدلًا منه.

استغل الإمام، ظروف ضعف الحكم في طهران ووجود القوات السوفييتية في الأراضي الإيرانية، ليعلن قيام جمهورية مهاباد أو "جمهورية كُردستان الديمقراطية"، وانتُخب رئيسًا لها، واعتمد على السوفييت في تسليح قوات حزبه وتدريبهم على أحدث الأسلحة آنذاك.

وبعد أن ألقى الرئيس الجديد كلمته، تم لأول مرة في التاريخ الكُردي الحديث، رفع العلم الكُردستاني الذي يتشكل من اللون الأحمر والأصفر والأخضر، كما تم طرح البرنامج الكفاحي الشامل للجمهورية الكُردية.

تجسد بذلك الحلم المشروع في قيام دولة كُردية على أرض كُردية، لشعب يتمتع بجميع مقومات الاستقلالية والدولة الحديثة من دون أن يؤثر هذا على سيادة أو كيان أي دولة من الدول المحيطة بها.

وعُدّت اللغة الكُردية لغة رسمية يتعلم بها الشعب وتلتزم بها الدوائر الرسمية، وتم فتح المدارس وأنشئت الصحافة والمسارح، ودخلت المرأة في معترك الحياة الكردستانية الجديدة، وقامت علاقات تجارية مع دول الجوار، وأهمها العلاقة مع الاتحاد السوفيتي.

وتضمنت جمهورية مهاباد أجزاءً من كُردستان الإيرانية وأذربيجان وغرب إيران. كما تم تشكيل الدولة على غرار الاتحاد السوفيتي فكان لها رئيس ورئيس وزراء وبرلمان. وكان للدولة أيضًا جيشها الخاص الذي أطلق عليه "البيشمركة"، وتم تدريبه وتجهيزه من قبل الاتحاد السوفييتي.

وحظت جمهورية مهاباد بشعبية بين السكان الكُرد في إيران، حيث وفرت الدولة الوليدة فرصة للشعب الكُردي لتأكيد هويته الثقافية ولكنَّ الدولة لم تدم طويلًا وواجهت تحديات كبيرة.

في 26 مارس/آذار من عام 1946 وعد السوفييت شاه إيران بالانسحاب من شمال غرب البلاد، على خلفية ضغوط القوى الغربية وقتها، بما فيها الولايات المتحدة، فضلًا عن تدخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

 

"أنا لا أشعر بالعار"

 

أعادت إيران سيطرتها على أذربيجان الإيرانية في يونيو/حزيران من ذلك العام، وعزلت هذه الخطوة جمهورية مهاباد، فتضاءلت محاصيل وإمدادات القبائل التي دعمت قاضي محمد، كما اختفت المساعدات الاقتصادية والمساعدات العسكرية من الاتحاد السوفييتي، مما أدى إلى إفلاس مهاباد.

وفي 5 ديسمبر/كانون الأول من عام 1946، أخبر مجلس الحرب قاضي محمد أنهم سيقاتلون ويقاومون الجيش الإيراني إذا حاول دخول المنطقة، ولكن قاضي محمد رأى أن ما سيحدث سيكون مذبحة بحق المدنيين الكُرد من قبل الجيش الإيراني، فسعى إلى تجنب الحرب بأي ثمن.

وسيطرت القوات الايرانية في السابع من ديسمبر/كانون الأول على مهاباد، واعتقلت القاضي محمد مع عدد كبير من قادة الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني في مهاباد.

وتشكلت محكمة عسكرية ميدانية لمحاكمة قاضي محمد وأخويه. وكانت تلك المحكمة سرية. طلبت المحكمة من قاضي محمد اختيار محامين للدفاع عنه. فاختار اثنين من الضباط الحقوقيين الذين يعرفهم في طهران. وهو العميد أصلاني والعقيد موسى شاقولي.

لكن المحكمة رفضت ذلك وطلبت منه اختيار أحد الموجودين في الثكنة العسكرية الموجودة في مهاباد. ووجهت لقاضي محمد عددًا من التهم التي صدر على أساسها قرار إعدامه.

وطعن قاضي محمد على هذا الحكم الجائر من المحكمة معتبرًا أنها محكمة عسكرية في حين أنه رجل مدني، وكذلك لكون المحكمة لم تمنحه حق اختيار محامين للدفاع عنه. غير أن ذلك لم يجد نفعًا أمام إصرار الشاه على إعدامه شنقًا. وفي 30 مارس/آذار، نُفذ حكم الإعدام في رئيس جمهورية مهاباد القاضي محمد ومعه أخويه سيف القاضي وصدر القاضي.

وبعد انتهاء محكمة التمييز أعيد قاضي محمد وأخويه إلى السجن لكن الأوامر جاءت بسرعة لتنفيذ حكم الإعدام فورًا وبدون تأخير. وطلب المدعي العام من قاضي محمد بكتابة الوصية فكتب الوصية الأولى للشعب الكُردي. أما الوصية الثانية فكتبها لعائلته.

وعند تنفيذ الحكم، أراد الجلادون أن يعصبوا عينيه إلا أنه رفض، حيث قال "أنا لا أشعر بالعار لكي يعصب عيني أمام أمتي ووطني الحبيب، أنا أريد أن أنظر إلى وطني الجميل والحبيب في آخر لحظة من حياتي".

وكانت آخر كلمة على لسان الشهيد قاضي محمد، هي: "عاشت الأمة الكُردية، عاش تحرير كردستان".

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- جمهورية مهاباد: قصة الدولة الكردية التي تحالفت مع السوفييت وقضت عليها إيران، موقع بي بي سي عربي، 31 مارس/آذار 2023.

2- من الذاكرة الكردية: قاضي محمد.. مؤسس أول جمهورية كوردية في التاريخ، موقع روافد المدى، بدون تاريخ.

3- لمحة عن الشهيد قاضي محمد مؤسس الدولة الكردية، موقع كورد ستريت، 30 مارس/آذار 2017.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.