التضليل الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي: النزاع «الإيراني- الإسرائيلي» نموذجًا

- 16 مارس 2026 - 24 قراءة

لقد شهدت التطورات التكنولوجية تحولات جذرية عبر التاريخ، بدأت من الأدوات البدائية في العصر الحجري وصولًا إلى الثورة الرقمية المعقدة في عصر الذكاء الاصطناعي. ولم تتوقف عجلة التطور التكنولوجي يومًا، بل تلاحقت الثورات الصناعية المتتالية عبر التاريخ لتشكل ملامح عصرنا الحالي؛ ومع تعاظم التأثير الذي تلعبه التقنيات الذكية من الروبوتات العسكرية والطائرات دون طيار، فضلًا عن المركبات المستقلة والنظم الذكية التي تحلل المعلومات الاستخبارية، فإنه من الملاحظ أن ذلك قد أثر بشكل كبير في أدوات ممارسة القوة في العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، تؤدي التغيرات الجذرية في التقنيات العسكرية إلى حدوث تحول استراتيجي على مستوى أدوات ممارسة القوة التي تعد الحرب أحد مظاهرها الرئيسة؛ وقد أدى ذلك إلى انتقال الحرب من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة المواجهة عن بعد، وصولًا إلى القنابل النووية والصواريخ فرط الصوتية والهجمات السيبرانية المتكررة، ثم إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من أن الصراع الإيراني الإسرائيلي ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة، حيث انخرطت إيران وأعداؤها في العديد من العمليات الاستخباراتية والهجمات السيبرانية والاغتيالات، فإن الجديد يتمثل في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما يمثل بعدًا غير مسبوق في أدوات الحرب النفسية.

وقد أضحى هذا التوجه بديلًا عصريًا عن الأساليب التقليدية في بث الشائعات، التي كانت تستنزف وقتًا وجهدًا بشريًا كبيرًا؛ فبفضل التقنيات الحديثة بات بإمكان أي طرف توليد وإنتاج محتوى زائف فائق الدقة بتكلفة زهيدة وسرعة قياسية، إذ أصبح هذا المحتوى قادرًا على إحداث تأثير فوري واسع النطاق، مستهدفًا تعميق الانقسامات الداخلية وتشويه الحقائق وتوجيه بوصلة الرأي العام محليًا ودوليًا.

ومن أبرز الأمثلة على هذا التضليل ما كشفته التقارير الحديثة من أرقام مثيرة للقلق، إذ إنه خلال أحد النزاعات الأخيرة تم رصد أكثر من 15 مقطع فيديو مفبرك عبر منصات متنوعة، وعلى الرغم من احتمالية كشف زيف هذه المقاطع، فإن أثرها النفسي والسياسي يظل واقعًا ملموسًا.

ومنذ بداية العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، لم تقتصر المواجهة على الضربات العسكرية فقط، بل امتدت بشكل سريع وملحوظ إلى الفضاء الرقمي، حيث غمرت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الصور والفيديوهات المضللة والمفبركة.

وقد تمثلت هذه المواد في مقاطع من ألعاب فيديو قُدمت على أنها ضربات صاروخية، وصور عديدة من الأقمار الاصطناعية المعدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن مشاهد قتال مولدة رقميًا، وذلك بهدف التأثير في الرأي العام وتضليل المتابعين حول حقيقة ما يحدث على أرض الواقع.

وبناء على ذلك، يلاحظ أن مقاطع التزييف والصور المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تحولت إلى أسراب رقمية مثيرة للقلق تؤثر في الرأي العام، وتخلق حالة من الفوضى المعلوماتية التي تخدم أجندات سياسية وعسكرية.

وفي الوقت نفسه، كشفت منصة NewsGuard عن وجود نحو 2089 موقعًا إخباريًا يعتمد كليًا على محتوى منتج آليًا دون الإفصاح عن ذلك، وقد ساهم ذلك في تدوير الشائعات ومنحها صبغة الخبر الموثوق. كما نقلت وكالة Associated Press عن تقرير لشركة مايكروسوفت تسجيل أكثر من 200 حادثة تلاعب بمحتوى صوتي خلال عامي 2024 و2025، مع ملاحظة أن هذه الزيادة تجاوزت الضعف مقارنة بالأعوام السابقة.

وفي السياق ذاته، تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة فاعلة لنشر المعلومات المضللة في المواجهات الأخيرة، حيث شهدت الساحة الرقمية انتشارًا واسعًا لصور أقمار اصطناعية مولدة بالكامل أو معدلة تقنيًا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مما جعل التمييز بين الواقع والتزييف تحديًا حقيقيًا.

وبناء على ذلك، أعلنت منصة "إكس" (تويتر سابقًا) عزمها تشديد الرقابة على المحتوى المولد اصطناعيًا، فضلًا عن فرض عقوبات على المخالفين، وذلك وسط تحذيرات خبراء التكنولوجيا من انعكاسات هذه التقنيات على مصداقية المعلومات في النزاعات المستقبلية. وفي سياق متصل، أوضحت صحيفة فاينانشال تايمز أن هذه الصور تعكس تحولًا جذريًا في طبيعة حرب المعلومات، إذ يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة فائقة على إنتاج أدلة بصرية مقنعة تزيد من تعقيد المشهد المعلوماتي.

وعلى الرغم من الميل العام لاعتبار صور الأقمار الاصطناعية مرجعًا موثوقًا للحقيقة نظرًا لتقدمها التقني، فإنها لم تعد بمنأى عن التلاعب، إذ جعل الذكاء الاصطناعي من عملية تزييف هذه الصور أمرًا يسيرًا، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لجمهور المتابعين على الإنترنت.

ومن الواضح أن كشف التلاعب في الصور الاصطناعية بات أكثر تعقيدًا من كشف التزييف العميق في مقاطع الفيديو، وذلك نظرًا لغياب العلامات البيومترية Biometric identifiers)) التي تستخدم للإشارة إلى البيانات التي يعتمد عليها النظام للتعرف على الأشخاص والتمييز بينهم. وفيما يتعلق بكشف التزييف والمقارنة بين الفيديوهات والصور، فإننا نتحدث عن الأدوات التقنية المستخدمة في التحقق.

إن التحول الجذري يكمن في ديمقراطية التزييف؛ فبعد أن كان تزييف الصور الاصطناعية يتطلب قدرات استخباراتية أو خبرات احترافية في برامج مثل فوتوشوب، أصبح بإمكان أي شخص اليوم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المجانية لإنتاج صور مضللة قادرة على خداع المشاهد العادي، وحتى المتخصصين في بعض الأحيان.

وفي ضوء ذلك، يلاحظ أن منصة "إكس" تداولت منشورًا من الحساب الرسمي لصحيفة "طهران تايمز" الإيرانية تضمن صورة ادعت أنها ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية، تظهر أضرارًا لحقت بنظام رادار أمريكي إثر غارة بمسيرة إيرانية. إلا أن تحليلًا أجرته صحيفة فاينانشال تايمز فنّد هذه المزاعم، وكشف أن الصورة قد عُدلت باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأن أنماط الظلال وتوزيع الحطام تعود إلى موقع في البحرين وليس إلى موقع الهجوم المزعوم.

وما يؤكد التزييف هو تطابق تفاصيل المركبات والظلال في الصورة المفبركة مع صور حقيقية التقطت قبل عام، مما يشير إلى وجود عملية دمج تقني بدائية، رغم الانتشار الواسع الذي حققه المنشور قبل حذفه.

وفي الوقت نفسه، يلاحظ أن عملية التزييف شملت أيضًا إعادة تدوير نسخة ملونة ومكبرة من صورة قديمة بالأبيض والأسود تعود لشركة إيرباص المتخصصة في صناعة الطيران. وبينما حقق المنشور انتشارًا واسعًا، تتبعت الصحيفة مصدر العلامة المائية ميزر فيجن، وهي شركة صينية ناشئة في مجال الفضاء، وتبين أن الصور المنسوبة لها غير مدرجة على صفحاتها الرسمية، مما يعمق الغموض حول مصدر المحتوى المضلل.

وبناء على ذلك، يلاحظ أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تلوين ومعالجة صور الأقمار الاصطناعية أحدث تحولًا جذريًا في إدراك الجمهور للواقع الميداني، حيث يخلق اختلافات بصرية لا وجود لها في الحقيقة. فمن خلال الصور المحسنة تقنيًا يتم تزييف مشاهد لحرائق هائلة، وهي ادعاءات سرعان ما تدحضها التناقضات الهيكلية عند مقارنتها بصور حديثة التقطت في الموقع نفسه.

ولعل من أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك انتشار منشور يزعم استخراج جثة المرشد الإيراني علي خامنئي من تحت الأنقاض، وهو محتوى مولد اصطناعيًا بالكامل لم يتم التحقق من صحته.

ويؤكد هذا المشهد أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط ليس الأول من نوعه في مواجهة التضليل الإعلامي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إذ سبق أن شهد النزاع الهندي الباكستاني العام الماضي، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، موجات مماثلة من الصور المفبركة والادعاءات الزائفة.

وفي الختام، لم يكن النزاع الإيراني الإسرائيلي بمنأى عن موجات التضليل الإعلامي المنهجي، الذي بات يستمد قوته من أدوات تكنولوجية تطمس الحدود بين الواقع الافتراضي والحقيقي. فمن خلال منشورات التزييف العميق المولدة بالذكاء الاصطناعي، والأخبار الزائفة التي تروجها هذه النماذج، وصولًا إلى مقاطع ألعاب الفيديو والصور التي تقدم بوصفها وثائق حية من مسرح الحرب، نجد أنفسنا أمام واقع إعلامي مأزوم.

وفي ضوء ذلك، يلاحظ أن هذا السيل من المعلومات المضللة يضع المجتمع الدولي أمام حاجة ملحة لتبني أدوات رصد أكثر كفاءة، خاصة في وقت تتجه فيه المنصات الكبرى إلى تقليص نفقات ضبط المحتوى والاستغناء عن فرق التحقق من الأخبار، وهو التوجه الذي يصفه الخبراء بالمنعطف الخطير الذي قد يترك الحقيقة فريسة سهلة لخوارزميات التزييف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث أول في مجال الإعلام الرقمي والأمن السيبراني

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.