
يرصد هذا التقدير التحول الجذري في مشهد الصراع العام 2026م، حيث أدى ضغط سلسلة القتل (Kill chain) واعتماد الردع بالمنع إلى فرض واقع استراتيجي جديد يواجه العقيدة العسكرية الإيرانية.
ويُحلل التقدير كيف يواجه هذا التحول التقني ، المُعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والذخائر المُوجهة بدقة (PGMS) ، الاستراتيجيات الإيرانية الإقليمية. ويخلص التقدير إلى أن بناء وضعية قتالية ذات مصداقية عبر شبكة قواعد مُوزعة وقدرات فائقة لمُعالجة البيانات ، يضع استراتيجيات المُناورة الإيرانية أمام تحدٍ تقني غير مسبوق، يُعيد تعريف مفهوم النزاعات المُسلحة لصالح هيمنة الفواعل الخوارزمية .
Abstract
This assessment monitors the radical shift in the Conflict Landscape for the Year 2026, where the compression of the "kill chain" and the adoption of "Deterrence by Denial" have imposed a new strategic reality facing military doctrine. The assessment analyzes how this technical transformation, driven by Artificial intelligence (Ai) algorithms and precision - Guided Munitions (PGMS), Confronts Iranian regional strategies. It concludes that establishing " acombat credible posture" through anetwork of distributed bases and superior data-processing capabilities places Iranian maneuver strategies ahead of an unprecedented Technical challenge. This, in turn, redefines the concept of armed conflict in favor of the dominance of algorithmic actors.
يطرح كريستيان بروز في مؤلفه الصادر عام ٢٠٢٠م رؤية نقدية استشرافية تُنبىء بتراجع فاعلية منظومات الدفاع التقليدية أمام التسارع المُتلاحق للتكنولوجيا الفائقة ، حيث تدور رؤيته حول إعادة تعريف مفهوم "سلسلة القتل" (the kill chain) وذلك بوصفها العملية الحيوية التي تبدأ برصد التهديدات ثم سرعة اتخاذ القرار، وصولاً إلى التنفيذ العسكري ، وقد أكد على أن دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية قد أحدث انقلابًا جذريًا في هذا النموذج الكلاسيكي ؛ إذا لم تعد الهيمنة العسكرية ترتكز على الآليات المادية والضخمة ، بل باتت تفرض حتمية التحول نحو بناء شبكات معارك مرنة تعتمد على البرمجيات كعُنصر حسم استراتيجي ، وقد أدى ذلك إلى نقل مُرتكز التفوق مِنْ حجم الترسانة إلى سيادة القرار، فضلاً عن القدرة الفائقة على مُعالجة البيانات وتحويلها إلى أفعال دقيقة عبر خوارزميات تمنح القادة زمن استجابة يسبق الخصم بمراحل مُتقدمة .
وبناءً على ذلك ، يُلاحظ أن ذلك يطرح مُفارقة استراتيجية هائلة مفادها أن تعزيز الردع ومنع نشوب النزاعات بات مرهونًا بامتلاك هذه التقنيات ، شريطة أن تظل خاضعة لإشراف رؤية بشرية استراتيجية تمنع تحول المُواجهات نحو حروب خوارزمية تخرج عن السيطرة ، مما يُعزز مِنْ ضرورة إرساء مواثيق أخلاقية تضمن بقاء الإنسان في محور سلسلة القرار العسكري وتعزيز السلم العالمي .
وكما يظهر في الشكل التوضيحي المرفق رقم (1)، فإن أتمتة سلسلة القتل تضمن تفوقًا زمنيًا حاسمًا عبر تقليص الفجوة بين الرصد والتنفيذ .
يُمثل مشروع ماﭬن الانعطاف التطبيقي الأبرز في استراتيجية الدفاع الحديثة مُنذ تأسيسه في أبريل عام ٢٠١٧م ؛ حيث جاء المشروع كاستجابة حتمية لمُواجهة طوفان البيانات الناتج عن عمليات الاستطلاع الجوي ، والتي تجاوزت قدرة المُحللين البشر على المُعالجة والمُتابعة .
كما يُعرف المشروع رسميًا بفريق العمل المُشترك للحرب الخوارزمية (AWCFT) ، ويستهدف بشكل أساسي تسريع عملية دمج البيانات الضخمة (Big Data) والتعلم الآلي في مفاصل وزارة الدفاع الأمريكية، وقد انعكس هذا التوجه في حجم الإنفاق الضخم الضخم الذي تجاوز ٧,٤ مليار دولار في المجالات المُرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عام إطلاقه .
وتتجلى القيمة التشغيلية للمشروع في اعتماده على تقنيات الرؤية الحاسوبية المُتقدمة لتحديد وتصنيف الأهداف آليًا ضمن (۳۸) فئة مُختلفة عبر كاميرات طائرات الدرون مما سمح بتعزيز قدرات التتبع والمُراقبة للأفراد والآليات في بيئات العمليات المُعقدة .
وفي ضوء ذلك ، يشهد مفهوم النزاعات المُسلحة تحولاً جذريًا يتمثل في هيمنة الفواعل الخوارزمية على مسرح العمليات ؛ حيث انتقل الذكاء الاصطناعي مِنْ كونه أداة دعم لوجستي إلى قائد ميداني يمتلك القدرة على مُعالجة بيانات الميدان الضخمة بسرعات تفوق الإدراك البشري، مما جعل السيادة الرقمية المحور الجديد للقوة العسكرية .
ويتجسد هذا التحول في الانتقال مِنْ الأنظمة المُوجهة بشريًا إلى أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل (LAWS) التي تفرض واقع الاستقلالية الفتاكة، حيث تمتلك هذه الأنظمة القدرة الذاتية على البحث عن الأهداف والاشتباك معها، خاصةً في بيئات حظر الوصول ، بهدف تحقيق أقصى درجات الضغط الزمني لسلسلة القتل (kill chain) وجعل القرار الخوارزمي هو السلاح الأول في الميدان.
ويوضح الشكل رقم (2) كيف ساهمت الخوارزميات المُعتمدة مشروع ماﭬن في تحقيق طفرة زمنية، حيث تقلصت فجوة الاستجابة في العمليات الميدانية مِنْ فئة الدقائق والساعات إلى ثوانٍ معدودة، مما يمنح سيادة رقمية كاملة في مسرح العمليات .

يؤدي هذا التسارع نحو أتمتة الحرب إلى تحديات استراتيجية وأخلاقية عميقة، خاصةً عند إسقاطها على العقيدة العسكرية الإيرانية بحلول عام ٢٠٢٦م وتتمثل في :-
(Human-on-the Loop) مما يولد فجوة المُساءلة التي تضع القوانين الدولية في مأزق قانوني وأخلاقي .
واستخلاصًا لما سبق ، يُمكن القول إنَّ التحول الجوهري في العقيدة القتالية ، يتجاوز الذكاء الاصطناعي مِنْ كونه مُجرد أداة ليصبح شريكًا إدراكيًا ضمن مفهوم فريق العمل المُشترك، ويستهدف هذا التكامل منح القادة وعيًا فائقًا بالموقف ، وذلك يتضح مِنْ خلال قدرة الخوارزميات على تحليل تدفقات البيانات الضخمة مِنْ مُستشعرات مُتعددة في آنٍ واحد، وكذلك أيضًا كشف الأنماط والتهديدات المُخيفة التي قد تعجز الحواس البشرية عن رصدها ، مما يحول مسرح العمليات إلى بيئة معلوماتية شفافة .
وبناءً على ذلك ، يُلاحظ أنَّ هذا التعاون يؤدي إلى تقليل العبء المعرفي(Cognitive load) على المُقاتلين في ظروف الضغط العالي ، وذلك مِنْ خلال فلترة المعلومات غير الضرورية وتبسيط المشهد المعلوماتي، مما يسمح بضغط زمن الاستجابة إلى أدنى مُستوياته وضمان التفوق في وتيرة العمليات ( .(OOD Loopإلا أن غياب تفسیر مُسببات القرار الآلي ، قد يخلق فجوة في الثقة بين القائد والمنظومة، مما يُهدد السيادة البشرية النهائية على القرار العسكري .
شكل (3) : يوضح المُقارنة بين العبء المعرفي في الأنظمة التقليدية ونظام ماﭬن، حيث تظهر قدرة الخوارزميات على توجيه تركيز القائد نحو اتخاذ القرار التكتيكي بنسبة أكبر.

لمُواجهة هذه التحولات وضمان استقرار الأمن الإقليمي والدولي يوصي التقدير بالآتي :-
وتكمن الأهمية الجوهرية لهذه الأطروحة في ارتباطها الوثيق ببعد الحوكمة والأخلاق ، حيث يُحذر "شاري" مِنْ مغبة الاندفاع نحو تطوير الأنظمة ذاتية التشغيل دون ضوابط، مؤكدًا أن التفوق الحقيقي لايُقاس بالقدرة التقنية المُجردة بل بالقدرة على إيجاد مُعادلة دقيقة توازن بين الابتكار الفائق وبين حماية القيم الإنسانية والحريات؛ وهو ما يتسق تمامًا مع ضرورة إرساء كوابح قيمية تضمن عدم تجريد الحروب المُستقبلية مِنْ بُعدها الأخلاقي ، ومنع تحول ميدان القتال إلى حيز للعمليات الحسابية الصماء التي تُقوض قدسية الحياة البشرية .
إن هذا الانتقال نحو الحرب الخوارزمية - والذي تجلى بوضوح في تطبيقات العقيدة العسكرية الإيرانية خلال العمليات الميدانية ضد تنظيم داعش لا يقتصر تأثيره على الكفاءة التقنية فحسب بل يفرض تحديات استراتيجية وأخلاقية جسيمة. وهو ما يضع المُجتمع الدولي أمام حتمية صياغة أطر حوكمة صارمة، تكفل استمرارية الهيمنة البشرية على مقاليد التقدير الاستراتيجي في محور سلسلة القرار؛ وذلك لقطع الطريق أمام أي تحول مُحتمل لهذه المنظومات نحو صراعات مؤتمتة تفتقر للمنطق الإنساني، بما يضمن في المُحصلة النهائية ترسيخ دعائم السلم العالمي وحماية الجوهر القيمي مِنْ الاستلاب في عصر التكنولوجيا الفائقة.
وفي الختام ، يوضح الشكل التوضيحي أدناه اتساع فجوة التوازن الاستراتيجي ، حيث لم تعد الهيمنة العسكرية مُرتبطة بحجم الترسانة التقليدية أو استراتيجيات المُناورة الكلاسيكية ، بل أضحى ذلك مرهون بالقدرة الخوارزمية على حسم المعارك في ثوانٍ معدودة عبر أتمتة الفتك. وبالتالي، يُلاحظ أن ذلك يفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا يتطلب استجابة استراتيجية مرنة تضمن سيادة القرار في ظل التحديات التقنية غير المسبوقة التي تواجهها القوى الإقليمية كإيران.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية