كيف «سرقت» بريطانيا تاريخ الشرق الأوسط؟

- 15 يناير 2024 - 80 قراءة

"تشرشل" و40 موظفًا وسياسيًا وعسكريًا بريطانيًا قرروا مصائر دول الشرق الأوسط قبل مئة عام

 

الاستعمار غرس جذور التفرقة والصراع ووضع أسس المشكلات التي تعاني منها المنطقة حتى الآن

 

محمد أرسلان علي يضع يده على "أصل الداء"... ويشخّص أسباب الصراعات القائمة حاليًا

 

 

كتاب "القاهرة.. بعد قرن من مؤتمر الأربعين حرامي" للكاتب الكردي محمد أرسلان علي، واحد من أهم الكتب التي تناولت تاريخ منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وما تلا ذلك من أحداث جسام، أدت إلى تقطيع أوصال دول المنطقة وترسيم حدودها، وفق تقسيم استعماري مازال معمولًا به حتى هذه اللحظة.

صدر هذا الكتاب الشائق عن دار "نفرتيتي للنشر" عام 2021، بمناسبة مرور مئة عام على "مؤتمر القاهرة 12-23 مارس/آذار 1921"، الذي انعقد بالعاصمة المصرية وقتها، واستمر أسبوعين، برئاسة ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني وقتها، وبحضور أربعين موظفًا إداريًا وسياسيًا وعسكريًا من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب سياسية في دواليب الدول بمختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك.

وتحدد خلال هذا المؤتمر المستقبل السياسي لعديد من دول الشرق الأوسط، ومن بينها العراق وشرق الأردن وسوريا وفلسطين وتركيا الحالية، وهو يعد من أهم المؤتمرات التي بحثت وحددت مصير العرب والكُرد والأتراك وباقي شعوب المنطقة، بعد سقوط الدولة العثمانية، واحتلال بريطانيا لمستعمراتها في سوريا والعراق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

ويقول المؤلف: "قبل قرن من هذا التوقيت تم عقد مؤتمر القاهرة في 1921 في فندق سميراميس وسط القاهرة، على ضفاف النيل، وفيه تم اتخاذ الكثير من القرارات والتي كان لها وقعها على مستقبل المنطقة حتى راهننا".

ويناقش علي، المقيم بالقاهرة، بأسلوبه الأدبي البديع، فصلًا مهما من فصول القضية الكردية انطلاقًا من ذلك المؤتمر، ويتناول التأثيرات السلبية له على منطقة الشرق الأوسط، وكيف جرى تقسيم دول المنطقة وتقطيع أوصالها، لخدمة مصالح بريطانيا وحلفائها.

يضع محمد أرسلان علي، في الكتاب، يده على "أصل الداء"، ويشخّص أسباب الصراعات القائمة حاليًا. وذلك من خلال التأصيل لعملية غرس جذور التفرقة والصراع، ووضع أسس المشكلات التي مازالت تعاني منها المنطقة حتى الآن، وتلقي بظلالها على عدة قضايا، في مقدمتها القضية الكُردية.

 

التاريخ "المسروق"

 

يقول الكاتب، في مقدمة كتابه، "إن ما نشهده في الوقت الراهن من حالة التشتت والفوضى التي تضرب المنطقة بشكل عام، من مشرقها لمغربها ومن شمالها لجنوبها، يُحتم علينا التفكير ولو قليلًا للبحث في أسباب هذا الوضع الذي وصلنا له ونحن في بدايات الألفية الثالثة".

ويضيف: "رغم التطور التقني والمعلوماتية التي نعيشها والتي نكرر فيها كثيرًا أن العالم بات "قرية صغيرة"، إلا أن ما نعيشه يوصلنا لنتيجة مفادها أننا وحتى ضمن هذه القرية الصغيرة لا نعي ولا نُدرك ماذا يحصل ولماذا؟ فهل لهذا علاقة بمنظومتنا الفكرية والمعرفية التي نقتنع فيها بعض الأحيان بأننا نمتلك ولو اليسير القليل منها، أم أنَّ مقدار المعلومات التي تم حقنها في أدمغتنا ما هي إلا معلومات مغلوطة وليس لها أية علاقة بالحاضر الذي نعيشه ولا لها أية روابط بالماضي، وبالتالي بالتاريخ؟".

ووفق المقدمة، فإن التاريخ الذي حفظناه على أنه مصدر عزتنا وقوتنا وحضارتنا التي انتشرت في أصقاع العالم، وأننا نحن الذين علَّمْنا الآخر ما توصل إليه من مكتشفات يتغنى بها الآن، ومن علوم، ما هي إلا "سرقة" بتعبير الكاتب، من تاريخنا الذي هجرناه.

وحينما عجزنا عن ترجمة ذلك التاريخ، وما يحمله من علوم ومعرفة وعن إعطائه دفعة ليرفع المجتمعات والبشر إلى التطور، بتنا نجترّ ذاك التاريخ، ونلوك به عَلَّنا نُطَمئن أنفسنا ونخرجها من دائرة التكرار والدوران حول الذات، حتى أصابتنا هلوسة الغرور وجنون العودة لذلك الماضي لعَلَّه يشفع لحالنا البائس، ويُخرجنا مما نحن فيه.

لكن التاريخ لا يُعطي شيئًا لأحد، إن هو بنفسه لم ينهض من حالة السكون والتكرار التي يعيشها، وإن لم ينفض عن نفسه البؤس والقنوط، والأهم من ذلك هو التخلص من "الجبرية والقدرية" التي باتت جزءًا من حياتنا.

ويأتي الكتاب، وفق كاتبه، "بعد قرن كامل تركناه وراءنا مليء بالمآسي والتراجيديات والأفراح والأتراح، وكل شيء فيه متشابك مُعقد، وكأنه لوحة تختزل حياتنا التي لا معنى لها، سوى أننا نكررها ولا نعرف لماذا".

المهم، أن تستمر الحياة بما تحمله لنا من مفاجآت وصدمات وكوراث وحروب، حتى اعتدنا عليها وباتت جزءًا من شخصيتنا وهويتنا المتقاتلة على أتفه وأحطّ الأشياء، بعدما غَلَّفوها بألف هالة مقدسة وقدموها لنا على أنه لا حياة دون هذه المقدسات الإلهية، أو لا كرامة للإنسان من دونها. فمن مصطلح الاستقلال والجلاء والوطن والعَلَم والنشيد الوطني والأمة الواحدة والحرية أو الاشتراكية، وكذلك القائد المُلهم والزعيم الضرورة إلى الحدود المقدسة، والتي يجب ألاّ نفرط بحبة رمل وتراب فيها ولو على حساب فناء المجتمع والتضحية بالبشر.

وهناك، طبعًا، العشرات من المقدسات التي ما زالت محفورة في بواطن خلجات قلوبنا، والتي لم نعد نستطيع حتى مجرد التفكير دون أن تدغدغنا تلك الكلمات. كيف يمكننا أن نصدق التاريخ وما علمونا إياه، وها هو الحاضر يتم تزويره أمام أعيننا من قِبَل الزعماء ومؤرخي السلطة والنظم الحاكمة؟

ويربط علي، بين المؤتمر الذي عُقد قبل مئة عام والوقت الحالي، عندما قال إنه حينما ننظر إلى ما حَلَّ بنا وبالمنطقة خلال العقد الأخير وخاصة تحت ما سُمّي بثورات "الربيع العربي" والتي بدأت من تونس فمصر ومنها انتقلت إلى ليبيا ثم إلى سوريا واليمن، نرى أننا ما زلنا نعيش حالة من الانقسام الداخلي النفسي والشخصي وحتى الهوياتي قبل أن نلهث وراء التشتت والركض نحو الأقطاب الإقليمية والدولية، ونستنجد بها لكي تأتي وتمنحنا بعض الحرية والكرامة. نستنجد بمَن يحمل المُطية بيديه ونقول له "تعال وانحر أخي في الوطن".

في هذه اللحظة، حينما نفكر بقتل الأخ الذي كنا نعيش معًا في نفس المنطقة، لا تبقى أية قيمة للوطن ولا لكل المقدسات التي كنا نلوكها منذ عقود من الزمن. فمنذ عقد من الزمن انهارت منظومة المقدسات كاملة ولم يعد ثمة شيء أو رمز يُلهمنا ويمنحنا الأمل كي نتكئ عليه ونصافح هذا الأخ الذي راح يبيعنا في أقرب بازار نخاسة من أجل ثروة ما أو جشع سلطة يُمَنّي بها نفسه حتى حين.

 

بحثًا عن "القاهرة"

 

على مدار نحو 300 صحفة، يقاتل الكاتب بحثًا عن "القاهرة" بعد قرن من "مؤتمر الأربعين حرامي"، فيبدأ بحثه عما أسماه "الحرب العالمية الثالثة" بين غمار الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، بعد أن ناقش أزمات ما قبل الحرب، ومنها "أزمة مراكش الأولى 1905"، و"أزمة مراكش الثانية 1911"، و"أزمة البوسنة والهرسك 1908"، و"حرب البلقان الأولى سنة 1911"، والثانية في العام 1913، من دون إغفال "حروب البقان الأولى والثانية سنة 1911"، وصولًا إلى انتهاء تلك المعارك باغتيال ولي العهد النمساوي في سراييفو سنة 1914.

وحين تضع الحروب أوزارها، ينتقل الكتاب إلى معاهدات الصلح والتقاسم الاستعماري، والمؤامرات التي لا تزال المنطقة تعيش تداعياتها إلى يومنا هذا، بداية من سايكس بيكو إلى معاهدة سيفر 1920، محددًا خرائط الجغرافيا السياسية لتلك المعاهدات ومناطق النفوذ، وفق كل واحدة منها.

من جهة ثانية، لا يغفل الكتاب ملامح أساسية تحدد علاقة القوى الإقليمية غير العربية في منطقة الشرق الأوسط، فيتحدث عن "العلاقة التركية - الكردية"، و"العلاقات الكُردية- الإيرانية"، والكُرد في سوريا والعراق، وأزمة المنطقة والحلول المفترضة، بما في ذلك ما يراه حول "تجاوز مفهوم الدولة القومية النمطي"، مشيرًا إلى ضرورة البحث عن محاور في العلاقات العربية- الكُردية، مخصصًا الفصل الأخير بعنوان "مصر والعلاقات العربية الكردية".

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.