مملكة العطاء في مواجهة مشروع الخراب: السعودية وإيران... قصة نقيضين

- 14 أكتوبر 2026 - 136 قراءة

منذ نشأتها الحديثة، اختطت المملكة العربية السعودية لنفسها مسارًا لم يتكرر كثيرًا في تاريخ الدول: أن تكون، رغم ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي، يدًا ممدودة للعالم بأسره، لا أداة هيمنة أو تخريب. وفي المقابل، اختطت إيران، منذ 1979، مسارًا معاكسًا تمامًا: تصدير الفوضى والميليشيات والخراب إلى كل بلد عربي استطاعت اختراقه. تقدير الموقف هذا محاولة لوضع الحقيقتين جنبًا إلى جنب، بالأرقام والتاريخ، لا بالشعارات.

نصف قرن من العطاء المؤسسي

لم يبدأ العطاء السعودي بالأزمات الطارئة، بل وُلد كمؤسسة دائمة منذ عام 1974، حين أنشأ الملك فيصل بن عبد العزيز، بمرسوم ملكي، "الصندوق السعودي للتنمية"، ليكون الذراع التنموية الخارجية للمملكة. على مدى خمسين عامًا، موّل هذا الصندوق وحده أكثر من 800 مشروع تنموي في أكثر من 100 دولة حول العالم، بإجمالي تمويلات تجاوزت 20 مليار دولار دون قيد جغرافي أو سياسي، فالأولوية فيه للدول الأقل نموًا والأكثر احتياجًا، بصرف النظر عن موقعها أو توجهها.

ثم جاء عام 2015 ليضيف ذراعًا إنسانية جديدة: "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية"، الذي تأسس بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وفي عقد واحد فقط، قدّم هذا المركز مساعدات إنسانية وإغاثية وتنموية لأكثر من 107 دول حول العالم، شملت مناطق النزاع والكوارث الطبيعية على حد سواء من الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا في فبراير/شباط 2023، إلى أزمات اليمن والسودان، وصولًا إلى إرسال طائرات إغاثية محمّلة بالمعدات الكهربائية إلى أوكرانيا المنكوبة بالحرب.

الرقم الذي يختصر كل شيء: 145 مليار دولار

وفق "منصة المساعدات السعودية"، التي أُنشئت بأمر ملكي عام 2017 لتوثيق كل مساعدة خارجية وفق المعايير الدولية المعتمدة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنصة التتبع المالي للأمم المتحدة، تجاوز إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية التي قدمتها المملكة 145 مليار دولار أمريكي، عبر ما يقارب 9 آلاف مشروع، في 175 دولة حول العالم. وفي عام 2025 وحده، حققت المملكة المرتبة الثانية عالميًا والأولى عربيًا بين الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والإغاثية، وفق بيانات منصة التتبع المالي الأممية (FTS) وهو تصنيف لا تحصل عليه الدول بالشعارات، بل بالأرقام الموثقة المرسَلة فعليًا إلى مستحقيها.

حتى في أدق التفاصيل الإنسانية، تحضر المملكة: فمنذ عام 1990، نجح "البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة" في إجراء 67 عملية فصل جراحي لـ155 حالة قادمة من 28 دولة عبر خمس قارات وبمبادرة سعودية، اعتمدت الأمم المتحدة يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني يومًا عالميًا للتوائم الملتصقة تخليدًا لهذا الدور.

وفي المقابل.. مشروع لا يعرف إلا الخراب

بينما كانت الرياض تبني الجسور الجوية للإغاثة، كانت طهران تبني شبكات الميليشيات للتخريب.

في سوريا، تحوّل الدعم الإيراني المباشر -عسكريًا وماليًا وطائفيًا- إلى أحد أعمدة حرب استمرت أكثر من عقد، حصدت ما يقارب مليون قتيل سوري، ودمّرت مدنًا بأكملها، وهجّرت الملايين داخل بلادهم وخارجها.

في العراق، لم يكتفِ النفوذ الإيراني بالتغلغل السياسي، بل امتد إلى تشكيل فرق موت طائفية استهدفت المواطنين العراقيين على الهوية، في مشهد لا يزال العراقيون يدفعون ثمنه حتى اليوم في هشاشة دولتهم وتكرار دوائر العنف.

في لبنان، تحوّل "حزب الله" المدعوم إيرانيًا من فصيل مسلح إلى دولة داخل الدولة، عطّل القرار اللبناني لعقود، وزجّ بالبلد في حروب لم يخترها، حتى وصل لبنان إلى حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي الكامل الذي يعيشه اليوم.

وفي اليمن، تكرر السيناريو ذاته: ميليشيا الحوثي، المدعومة بالسلاح والتدريب والتمويل الإيراني، لم تكتفِ بإشعال حرب داخلية طويلة، بل مدّت يدها لاستهداف المدنيين الآمنين داخل الأراضي السعودية نفسها، في مطارات مدنية ومنشآت لا علاقة لها بأي ساحة قتال آخرها الهجمات المتكررة على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، التي أودت بحياة مدنيين من جنسيات متعددة.

المقارنة التي تفرض نفسها

على جهة، مؤسسات تأسست منذ خمسين عامًا، توثّق كل ريال تنفقه بمعايير دولية شفافة، وتصل مساعداتها إلى 175 دولة دون تمييز ديني أو سياسي أو جغرافي.

وعلى الجهة الأخرى، منظومة وكلاء مسلحين، لا ميزانية معلنة لها ولا شفافية، أنفقت عقودًا في تمويل الحروب بالوكالة، فلم تترك خلفها سوى مدن مدمَّرة، واقتصادات منهارة، ومجتمعات ممزقة طائفيًا، في كل بلد عربي وصلت إليه يدها.

هذه ليست مبالغة خطابية، بل سجل تاريخي قابل للتوثيق بالأرقام والتواريخ والمصادر الدولية المستقلة، من الأمم المتحدة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

حين تُقاس الدول بما تتركه خلفها لا بما تقوله عن نفسها، يصبح الفارق بين نهجين واضحًا كل الوضوح: نهج يبني المستشفيات ويموّل مشاريع المياه والكهرباء والتعليم في 175 دولة، ونهج يموّل الميليشيات ويصدّر الصواريخ إلى مطارات مدنية. والتاريخ، في النهاية، لا يرحم من يقف في الجانب الخطأ من هذه المعادلة.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.