من سورية إلى غزة... المرأة عنوان صمود ومضمون نضال

- 4 مايو 2024 - 82 قراءة

يكاد لا يخلو خبر عن غزة من مشاهد لنساء يحملن جثث أطفالهن وهن يرددن آيات الصبر بإيمان قلّ نظيره، أي ثبات يملكنه هؤلاء؟ أتساءل بيني وبين نفسي مستذكرة أبنائي الذين أخاف عليهم أن تنخزهم شوكة، لابد وأن لهؤلاء الأمهات قلوبًا رحيمة جازعة تجاه أبنائهن مثل قلبي، كيف يصبرن أمام هذا الابتلاء العظيم؟!

أطالع صور نساء أخريات هناك، يطبخن على مواقد الفحم والقش، ليسددن جوع أطفالهن بطبخات توحي بها الحاجة، وتمليها الأمومة التي تأبى أن تترك صغارها جوعى. نساء يبحثن بين الجثث عن صغارهن، يهتدين إلى أشلائهم من بقايا ثيابهم أو شكل شعرهم، لا يثنيهن ذلك عن الوقوف بصلابة وعزيمة مع الرجال في مواجهة آلة الحرب الوحشية التي يشنها الكيان الصهيوني على أهل غزة. يبدين صورًا رائعة للصمود والاستبسال، 9000 امرأة غزية قتلها الكيان الصهيوني منذ بدء الحرب على غزة وما تزال الأرقام في ازدياد، 2 من الأمهات تستشهدان هناك كل ساعة وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، وشعار (لا عذر) الذي رفعته الأمم المتحدة في يوم مناهضة العنف على النساء لم يجد له أثرًا في غزة التي تشكل نسبة النساء الشهيدات فيها 70%، ولم ينجح بوقف الحالات المتكررة من الولادات القيصرية دون تخدير والتي تحدث يوميًا هناك كما صرح صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA . إصابات كثيرة بأمراض وأوبئة، وتعرض خطير للمجاعة مع استمرار للحصار ومنع لإدخال المساعدات، وماتزال ألسنتهن تلهج بالحمد ومواقفهن تعلن الثبات، أي بطولة يملكنها هؤلاء؟ وأي إيمان بالقضية وعدالتها يثبتهن في هذه المواقف التي تخر لها الجبال؟

أتامل بيوتهن التي أضحت خرابًا، وأنا أدرك تمامًا كامرأة أن البيت للمرأة ليس حجارة وحسب، وإنما هو عائلة وذكريات ودفء وضحكات وأحلام، كل ذلك بات تحت الأنقاض اليوم، وبقيت عزيمتهن صلبة لم تنهار مع ما انهار خلف تلك الجدران. وكسوريةٍ ماتزال ذاكرتي مخضبة بدماء أهلي، حيث خضنا في بلدنا، وما نزال، صراعًا مريرًا في سبيل حريتنا وكرامتنا، وعانينا وما نزال من تنكيل نظام الأسد وحلفائه الروس وملالي إيران، فإنني أتابع الصور التي تردنا من غزة وقد تداخلت مع آلاف من نظيراتها المكدسة في ذاكرتنا السورية القريبة، صور القتل والتدمير وآلة الحرب الوحشية، الحصار والتجويع والموت تحت الأنقاض، صور المرأة السورية وهي تناضل دفاعًا عن شرفها ولقمة أبنائها، السورية التي لم يتوان الأسد عن اعتقالها واغتصابها وتعذيبها وتجويعها وتهجيرها وقتل أبنائها وأهلها أمامها، وهي صابرة ثابتة صامدة.

رزان النجار، سميرة الدلو، هدى غالية والقائمة تطول من المناضلات الفلسطينيات اللواتي يشكلن 49% من إجمالي عدد السكان في قطاع غزة، لهن نظيرات في البطولة والنضال في الثورة السورية العظيمة، رزان زيتونة وفدوى سليمان ولمى الباشا وخلود وليد وعفراء الشربجي وغيرهن كثيرات ممن دُونت أسماؤهن في صفحات الثورة السورية، وممن لم يكتب التاريخ  أسماءهن، كن ومازلن يدفعن ثمن مواقفهن الثابتة وقناعتهن الراسخة في الحرية والعدالة.

ولا يتوقف الأمر عند النساء المتواجدات في جغرافيا الحروب، فالمتابع لمناصري مثل هذه القضايا العادلة يلحظ بشكل واضح أن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان الداعيات لوقف حروب الإبادة لهن الصوت الأعلى والحضور الأقوى كقوة ناعمة فاعلة ومؤثرة في كل الميادين، وما شهدناه من مواقف لنساء مناصرات لوقف الإبادة الجماعية في غزة بدءًا من ميادين القضاء والسياسة ومراكز صنع القرار الدولية، مرورًا بالإعلام والصحافة ومنابر كبرى الأكاديميات العلمية، وصولًا لساحات الفن والرياضة التي لم تخل من أصواتهن البارزة ومواقفهن الشجاعة، وإبداعاتهن التي وصلت حتى لبرامج الطبخ وعروض الأزياء وصنع الأيقونات وتمثيل المشاهد الدرامية، والترويج للمقاطعة التي لاقت نجاحًا كبيرًا كشكل من أشكال المقاومة الشعبية، لدليل على دور قيادي رائد للمرأة في ميادين المقاومة والحراك السلمي الهادف لبناء عالم أكثر سلامًا وعدلًا.

يا نساء غزة، لستن وحدكن، فكثيرات جدًا من النساء حول العالم معكن، نضالًا وصمودًا ومناصرة، والنصر حليفنا وحليفكن.

 

*رئيسة منظمة سوار لحماية وتمكين النساء

 

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.