من مهاباد إلى إيلام... القمع الممنهج للكرد في إيران بين الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري واستهداف الأطفال

- 14 مايو 2026 - 12 قراءة

        جيهان علو

 

لم تعد السجون الإيرانية مجرد جدران إسمنتية تُخفى خلفها الأصوات المعارضة، بل تحولت إلى جغرافيا سوداء تُبتلع فيها أعمار الكرد بصمت بارد، فيما تتكفل البنادق والأجهزة الأمنية بإقناع الأمهات بأن أبناءهن تحولوا إلى أرقام مؤجلة داخل ملفات الاستخبارات. وفي المدن الكردية الممتدة من مهاباد إلى إيلام، ومن قرى آبدانان الفقيرة إلى أحياء طهران المكتظة، لا يبدو الأمر مجرد حملة اعتقالات مستمرة، بل مشروعاً أمنياً متكاملاً يهدف إلى إخضاع المجتمع الكردي عبر هندسة الخوف، وتحويل الإنسان الكردي إلى كائن مهدد حتى داخل منزله، وحتى عندما يكون طفلاً لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.

التقارير التي وثقتها منظمة «هه‌نگاو» خلال الأيام الأخيرة تكشف بوضوح عن تصاعد خطير في الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والاستهداف المنهجي للأطفال والشباب الكرد. غير أن خلف كل اسم ورد في تلك التقارير، توجد حياة كاملة جرى اقتلاعها بعنف؛ أم تنتظر اتصالاً لا يأتي، وأب يقف عاجزاً أمام أبواب المراكز الأمنية، وأطفال يستيقظون ليلاً على أصوات الاقتحامات، وقرى بأكملها تُعاقب فقط لأنها كردية.

في قرية «كوسه‌كه‌ریز» التابعة لمهاباد، داهمت قوات استخبارات الحرس الثوري الإيراني المنازل فجراً بطريقة وصفتها مصادر محلية بأنها «أقرب إلى اقتحام عسكري منه إلى عملية اعتقال». وتحدث شهود عيان عن عناصر مسلحة انتشرت في الأزقة قبل اقتحام منزل الطفل إحسان خرم‌آباد، البالغ من العمر سبعة عشر عاماً، ومنزل ميكائيل دودكانلو ميلان المعروف باسم «شورش». ووفق روايات الأهالي، جرى ترويع أفراد العائلتين وتهديدهم أثناء عمليات التفتيش، من دون إبراز أي مذكرة قضائية، قبل اقتياد المعتقلَين إلى جهة مجهولة. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العائلتان في دوامة من القلق والبحث والسؤال، فيما امتنعت السلطات عن تقديم أي معلومات بشأن مصيرهما أو أسباب اعتقالهما.

وفي محافظة إيلام، بدا المشهد أكثر اتساعاً وتنظيماً، وكأن هناك حملة أمنية مفتوحة تستهدف البنية الاجتماعية للشباب الكردي. ففي ملكشاهي، اعتُقل ميلاد تبرائي، بينما شهدت دهلران اعتقال الطفلين علي زيني‌وند ومحمد پيري، وكلاهما لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر. وفي سرابله، اختفى مجيد پررنگ، الرجل المتزوج البالغ من العمر تسعة وثلاثين عاماً، بعد أن اقتادته القوات الحكومية إلى مكان مجهول. أما في دره‌شهر، فقد جرى اعتقال الطفل محمد جواد زيني‌وند، البالغ أربعة عشر عاماً، ومحمد رضا أسدي، البالغ سبعة عشر عاماً، إلى جانب الشاب پژمان أصل‌مرد الذي اعتُقل بعد أيام قليلة من موجة المداهمات الأولى.

وتحدثت مصادر محلية عن حالة هلع واسعة بين العائلات، خصوصاً مع تكرار نمط الاقتحامات الليلية وحرمان المعتقلين من أي تواصل مع ذويهم. كما أكد بعض الأهالي أن القوات الأمنية لم تكتفِ بتنفيذ الاعتقالات، بل تعمدت استخدام لغة مهينة وتهديدات مباشرة بحق الأسر، في محاولة واضحة لتحويل المجتمع بأكمله إلى رهينة نفسية للخوف، وإخضاع الأهالي عبر الإعدام المعنوي والضغط النفسي الجماعي.

وفي آبدانان، تكشف الأحداث مستوى أكثر عنفاً من التعاطي الأمني مع السكان. فبعد اعتقال الشاب سامان سليماني من قرية «هفت‌چشمه»، خرج عدد من الأهالي للاحتجاج على اعتقاله، لترد القوات الأمنية بإطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع. وأفاد شهود من القرية بأن القوات الحكومية لم تكتفِ بتفريق المحتجين، بل عمدت أيضاً إلى تخريب سيارات المدنيين الكرد وإثارة حالة من الرعب الجماعي داخل القرية. ويكشف هذا الرد العنيف أن السلطات الإيرانية لم تعد تتعامل مع الاحتجاج بوصفه تعبيراً مدنياً عن الغضب، بل باعتباره تمرداً يجب سحقه بالقوة الميدانية، ورسالة ترهيب موجهة إلى الأحزاب الكردية المعارضة مفادها أن ذويهم في الداخل يعيشون تحت سطوة القمع والاستبداد الأمني.

وفي المدينة نفسها، اعتُقل مجتبى محمدولي، الذي لا يزال يواجه ملفاً قضائياً يعود إلى فترة حراك «ژن، ژیان، ئازادی»، بما يوضح أن الأجهزة الأمنية الإيرانية لم تغلق بعد دفاتر الانتقام من المشاركين أو المؤيدين للانتفاضة الشعبية التي هزت البلاد. كما اعتُقل أديب نظري في سياق الحملة ذاتها، وسط غياب كامل لأي معلومات قانونية واضحة بشأن التهم الموجهة إلى المعتقلين.

أما في چوار، فقد اعتُقل حميد ملكي، المواطن البالغ سبعة وثلاثين عاماً من منطقة أركوازي، بينما شهدت آسمان‌آباد اعتقال الطفل عليرضا نظري، البالغ سبعة عشر عاماً، في مؤشر جديد على اتساع دائرة استهداف القاصرين الكرد. وفي مورموري، اختفى روح‌الله شيخي منذ لحظة اعتقاله، من دون أن تحصل عائلته على أي معلومات بشأن مكان احتجازه أو وضعه القانوني.

وفي شمال شرق كردستان إيران، حيث يعيش الكرد بعيداً عن الأضواء الإعلامية، لم يكن الوضع أقل قسوة. ففي قوچان، اعتُقل الطفل محمد أمين مفتوعي، وهو قاصر يخضع لرعاية مؤسسة الرعاية الاجتماعية، ونُقل إلى مركز إصلاح وتأهيل في مدينة مشهد، مع فرض كفالة مالية ضخمة بلغت خمسة مليارات تومان. ولا تبدو هذه الكفالة مجرد إجراء قانوني، بل أداة ضغط اقتصادي ونفسي تهدف إلى إنهاك العائلات الفقيرة، وتحويل العدالة إلى امتياز طبقي لا يملكه الكرد البسطاء.

وفي طهران، اختفى موسى رحمتي، الشاب القادم من قرية كلاب التابعة لبجنورد، بعد اعتقاله أثناء عمله سائقَ توصيل. ووفق مصادر مطلعة، فإن موسى فقد والديه منذ سنوات، ولا يوجد من يتابع ملفه أو يسأل عنه بصورة جادة، ما يجعل قصته واحدة من أكثر صور الإهمال الإنساني قسوة؛ شاب فقير، يتيم، كردي، يُسحب إلى المجهول من دون أن يثير اختفاؤه ضجيجاً في الإعلام أو السياسة.

كما شهدت قوچان اعتقال مهدي قلي‌زاده بعنف، قبل نقله إلى السجن عقب انتهاء التحقيق معه، فيما تعرض مجيد أوغازي، مهندس الكهرباء والمصارع المعروف في منطقته، للاعتقال والسجن، قبل الإفراج المؤقت عنه بعد سبعة وأربعين يوماً من الاحتجاز. إلا أن آثار الاعتقال لا تنتهي بالإفراج؛ فالسمعة المهددة، والخوف المزمن، والمراقبة الأمنية المستمرة، تتحول إلى سجن موازٍ يرافق المعتقل السابق أينما ذهب.

وأخطر ما في هذه الانتهاكات ليس الاعتقال بحد ذاته فحسب، بل ما يرافقه من تجريد كامل للمواطن الكردي من أبسط الضمانات القانونية. فمعظم المعتقلين حُرموا من التواصل مع محامين، أو حتى من إجراء مكالمات قصيرة مع عائلاتهم. وتُترك الأسر لأيام وأسابيع أمام أبواب السجون والمراكز الأمنية من دون إجابات، فيما يتحول الغموض الكامل بشأن المصير إلى أداة تعذيب نفسي جماعي للكرد على امتداد الجغرافيا الإيرانية.

ويكشف هذا النمط من القمع عن سياسة تتجاوز فكرة «فرض الأمن» إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع الكردي عبر الرعب المنظم. فعندما تُعتقل الطفولة، ويُلاحق الشباب، وتُحاصر القرى، وتُكسر الأبواب فجراً، تصبح الرسالة السياسية واضحة: المطلوب ليس إسكات أفراد بعينهم، بل إخضاع ذاكرة جماعية كاملة.

ورغم ذلك، لا تزال المدن الكردية تحفظ أسماء معتقليها كما تحفظ أسماء شهدائها. لأن القضية بالنسبة للكرد لم تعد قضية ملفات أمنية متفرقة، بل قضية شعب يُدفع يومياً إلى حافة الخوف فقط لأنه يطالب بحقه في الكرامة والاعتراف والعدالة. وفي كل بيت كردي يُطرق بابه ليلاً، تتأكد حقيقة واحدة: أن القمع في إيران لم يعد مجرد انتهاك قانوني أو تجاوز أمني، بل مشروع سياسي قائم على كسر الإنسان الكردي نفسياً واجتماعياً، وتحويل حياته إلى انتظار دائم بين أبواب السجون وأخبار المجهول أو شبح الإعدام المفاجئ.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.