يلدا عباسي... حين يُسجَن الصوت الكردي لأنّه تذكّر هويته

- 4 فبراير 2026 - 37 قراءة

لم تكن أوتار «الدوتار» في يد يلدا عباسي مجرد أدوات موسيقية، بل خيوطًا سرّية تشدّ شتات الهوية الكردية من جبال قنديل إلى سهول خراسان. وحين أقدمت السلطات الإيرانية في مدينة مشهد على اعتقالها تعسفيًا لتنفيذ حكم جائر بالسجن، لم تستهدف جسد الفنانة فحسب، بل حاولت بتر العصب الذي يغذّي الذاكرة الكردية في أطراف الجغرافيا الإيرانية، وإسكات الحنجرة التي تجرأت على الغناء بوجع «المنجية» وأحلام أهلها.

إن اعتقال يلدا عباسي ليس حادثة معزولة، بل فصل تراجيدي من فصول «فخاخ العودة» التي تنصبها أجهزة القمع لكل صوت كردي حرّ اختار أن يكون سفيرًا لشعبه في الخارج. فالفنانة التي أمضت سنوات من حياتها في المنفى الألماني، تحوّلت من أيقونة ثقافية عالمية إلى «رهينة» داخل زنزانة في سجن وكيل آباد، بتهمة جاهزة: «الدعاية ضد النظام». والحقيقة أن جرمها لم يكن دعاية ولا سياسة، بل تجسيدها الحيّ لروح انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية». فالفنانة التي لم تتخلَّ عن زيّها القومي ولا عن لغتها الأم على أرقى مسارح أوروبا، كانت تمثّل تهديدًا مباشرًا لمنظومة تسعى إلى تعليب الهويات وصهر القوميات.

وتكتسب قضية يلدا حساسية مضاعفة حين نضعها في سياق خصوصية «أكراد خراسان»؛ أولئك الذين أُريد لهم أن يكونوا حراسًا للحدود، معزولين عن جذورهم الثقافية والتاريخية. عبر صوت يلدا، استعاد هؤلاء هويتهم الكردية الصافية. كانت هي الجسر الذي عبر عليه التاريخ ليصافح الحاضر، وأثبتت بصوتها أن «المنجية» ليست لهجة محاصَرة، بل لغة مقاومة متجذّرة. لذلك، فإن سجنها اليوم ليس سوى محاولة يائسة لكسر هذا الجسر، ورسالة تهديد مبطّنة لكل مثقف وكاتب كردي بأن ثمن الوفاء للهوية داخل إيران هو الحرية الشخصية.

وجدانيًا، لا يهتز الشارع الكردي اليوم لأن مغنية تقبع خلف القضبان فحسب، بل لأن «الكرامة الكردية» نفسها تُستدعى إلى قفص الاتهام في شخص يلدا عباسي. كيف لعالم يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية أن يصمت أمام فنانة تُسجن لأنها غنّت للحب، والحرية، ولشعبها المكلوم؟ إن جواز سفرها الذي تحوّل إلى قيد، ورحلتها من المطارات الدولية إلى أقبية التحقيق، ليست سوى صرخة مدوّية في وجه الصمت العالمي، تؤكد أن الفنان الكردي محاصر حتى في حلم العودة.

إن هذا الاعتقال التعسفي يجب أن يتحوّل إلى وقودٍ لوعي كردي جامع. فمن مهاباد إلى خراسان، المصير واحد، والألم واحد. وستبقى يلدا عباسي، رغم برودة جدران سجن مشهد، الوترَ الأكثر حدّة في قصيدة المقاومة الكردية. أما دوتارها الذي يرفض الصمت، فسيظل صداه يتردّد في كل بيت كردي، شاهدًا على أن الأنظمة التي تسجن الفن محكومة بالزوال، بينما الأغنية المشبعة بعبق الأرض والتاريخ لا يستطيع أي سجان أن يحاصر معناها أو يخنق صداها.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.