أسامة القصيبي... رجل يقود معركة الحياة في حقول الموت اليمنية

- 22 يونيو 2026 - 151 قراءة

في بلد أنهكته الحرب وتحولت فيه الألغام إلى عدو صامت يترصد الأطفال والمزارعين والمسافرين على الطرقات في اليمن، برز اسم أسامة بن يوسف القصيبي بوصفه أحد أبرز الوجوه الإنسانية التي ارتبطت بمهمة إنقاذ الأرواح وإعادة الأمل إلى اليمنيين. فمنذ انطلاق مشروع «مسام» لنزع الألغام في اليمن التابع لـمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عام 2018، تولى «القصيبي» إدارة المشروع واضعاً أمامه هدفاً واضحاً وهو، «يمن خالٍ من الألغام».

لم يكن هذا الهدف مجرد شعار إعلامي، بل تحول إلى خطة عمل يومية في واحدة من أخطر البيئات الميدانية في العالم. فمنذ اليوم الأول أدرك «القصيبي» أن المعركة الحقيقية لا تقتصر على انتزاع الألغام من باطن الأرض، بل تمتد إلى حماية المجتمعات المحلية وتأمين الطرق والمدارس والمزارع، وتمكين اليمنيين من استعادة حياتهم الطبيعية بعد سنوات من الخوف والموت الكامن تحت الأرض.

خلال 8 سنوات من قيادته للمشروع، شهد «مسام» توسعاً كبيراً على المستويين العملياتي والفني، فقد ارتفع عدد الفرق الميدانية إلى 42 فريقاً متخصصاً يعملون في محافظات يمنية متعددة، مزودين بأحدث التقنيات والأجهزة العالمية المستخدمة في الكشف عن الألغام والذخائر غير المنفجرة والتعامل معها. كما أولى «القصيبي» اهتماماً خاصاً ببناء القدرات الوطنية اليمنية عبر برامج تدريب وتأهيل متقدمة أشرف عليها خبراء سعوديون ودوليون، ما أسهم في تكوين كوادر يمنية محترفة قادرة على مواصلة هذه المهمة الإنسانية المعقدة.

وتكشف الأرقام حجم الإنجاز الذي تحقق تحت إدارة المهندس أسامة القصيبي، فبحسب البيانات الرسمية للمشروع تمكنت فرق «مسام» منذ انطلاقته في منتصف عام 2018 من انتزاع وتدمير أكثر من 500 ألف لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة، مع تطهير ما يزيد على 67 مليون متر مربع من الأراضي اليمنية الملوثة بالألغام بحلول منتصف عام 2025، ثم تجاوزت الحصيلة لاحقاً حاجز 529 ألف جسم متفجر ومساحات واسعة من الأراضي المحررة.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فخلف كل لغم ينزع توجد حياة تنقذ، وخلف كل طريق يطهر توجد قرية تستعيد تواصلها مع العالم، وخلف كل حقل يؤمن توجد أسرة تعود إلى مصدر رزقها، ولهذا ارتبط اسم «القصيبي» في الأوساط اليمنية والدولية بمفهوم العمل الإنساني الميداني أكثر من ارتباطه بالإدارة التقليدية للمشروعات.

ولعل أكثر ما يميز تجربة «القصيبي» القيادية هو إصراره على استمرار العمل رغم التحديات الهائلة، فقد واصل المشروع أداء مهامه في ظروف أمنية بالغة التعقيد، وفي مناطق تعد من أكثر المناطق تلوثاً بالألغام في العالم، كما تحمل المشروع خسائر مؤلمة باستشهاد 33 من العاملين فيه أثناء تنفيذ واجبهم الإنساني، إلا أن ذلك لم يوقف مسيرته أو يقلل من عزيمة فرقه المنتشرة في الميدان.

وتُعد تجربة «القصيبي» نموذج لقيادة تجمع بين الكفاءة الإدارية والبعد الإنساني، فهو لا يتحدث عن الألغام باعتبارها أرقاماً في التقارير، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لحياة الناس ومستقبل المجتمعات، ولذلك ظل يؤكد في مختلف تصريحاته أن نجاح «مسام» لا يقاس بعدد الألغام المنتزعة فقط، بل بعدد الأسر التي عادت إلى بيوتها وعدد الأطفال الذين تمكنوا من السير إلى مدارسهم بأمان.

لا يتحدث أسامة القصيبي كثيراً عن نفسه، بل يفضل أن تتحدث الإنجازات عن أصحابها، غير أن مسيرة «مسام» جعلت اسمه يرتبط بأحد أهم المشاريع الإنسانية في اليمن المعاصر وبنموذج قيادي جمع بين الإدارة الاحترافية والرؤية الإنسانية والقدرة على تحويل المبادرات الإغاثية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وبعد أكثر من 8 سنوات من العمل المتواصل أصبح مشروع «مسام» واحداً من أكبر برامج نزع الألغام الإنسانية في العالم وأصبح اسم أسامة القصيبي مرتبطاً بهذه التجربة بوصفه قائداً لمهمة لم تستهدف إزالة المتفجرات فحسب، بل إعادة الأمان والحياة إلى ملايين اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم أسرى لحربٍ تركت الموت مزروعاً في الأرض حتى بعد انحسار المعارك.

* رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.