أطول هبّة شعبية ضد الملالي منذ عام 1979

- 9 أكتوبر 2023 - 448 قراءة

الاحتجاجات عكست اتساع نطاق حالة الغضب والاحتقان الجماهيري والشعور بالحرمان والظلم

 

اعتقال نحو 20 ألف شخص ومقتل أكثر من 500 خلال الاحتجاجات على مقتل مهسا أميني

 

أجهزة نظام الملالي لم تكن تتوقع أن تواجه هبّة شعبية بمشاركة شخصيات مؤثرة داخل المؤسسة الدينية

 

 

أدت وفاة مهسا أميني، التي لم يتجاوز عمرها الـ 22 ربيعًا، إلى اندلاع أطول احتجاجات مناهضة للنظام منذ ثورة عام 1979 التي أسقطت الملكية، واستولى من خلالها موسوي الخميني وأتباعه على السلطة ليحولوا البلاد إلى دولة دينية ثيوقراطية، وقمعت الاحتجاجات بالطريقة ذاتها التي سحقت بواسطتها غيرها من الانتفاضات السابقة، حيث اعتُقل خلال تلك الاحتجاجات أكثر من 20 ألف شخص، وقُتل أكثر من 500، سواء خلال التظاهرات أو عبر أحكام الإعدام التي أصدرها النظام ضد عدد من المحتجين لاحقًا.

وبعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية الغاضبة على خلفية مصرع "مهسا"، لم تكن أجهزة نظام الملالي تتوقع أن تواجه رد فعل شعبيًا واسع النطاق، بمشاركة نوعية وغير مسبوقة من شخصيات ذات تأثير داخل المؤسسة الدينية، مثل المرجع الديني أسد الله بيات الزنجاني، بحيث تحولت وفاة "مهسا" إلى قضية رأي عام بين الشرائح الاجتماعية المعارضة للحجاب الإجباري، واتسعت لتشمل هذه المرة شريحة واسعة من بين الجماعات التي كانت ترى في أذرع النظام الأمنية، جماعة منزهة عن الخطأ، نذرت نفسها للدفاع عن الأحكام الشرعية والدينية.

وأظهرت التسجيلات المتداولة على شبكات الاجتماعي، في حينه، نزول عدد كبير من الإيرانيين في مختلف أحياء طهران، رغم المخاطر والأجواء الأمنية المشددة، بموازاة اندلاع الاحتجاجات في مدينة "سنندج" مركز محافظة كردستان، مسقط رأس الضحية أميني، وعدد من كبريات المدن الأخرى، مثل تبريز وأصفهان وكرج والأحواز.

كما أظهرت أشرطة الفيديو أن بين المحتجين نساء خلعن الأوشحة عن رؤوسهن، وعمدن إلى إلقائها في نيران أشعلت في الطريق، بينما عمدت أُخريات إلى قصّ شعورهن بشكل قصير في تحرك رمزي. وسُمعت هتافات بين المتظاهرين في طهران "لا للحجاب، لا للعمامة، نعم للحرية والمساواة".

وأعربت شخصيات إيرانية عامة وسياسيون عن غضبهم مما حدث وقتها، على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دعا الرئيس السابق وزعيم التيار الإصلاحي محمد خاتمي السلطات إلى "تقديم مرتكبي هذا العمل إلى العدالة".

ومن جانبه، قال المخرج السينمائي المعروف عالميًا أصغر فرهادي، الحائز على جائزتي "أوسكار"، إن "مهسا اليوم حية أكثر منا"، لأننا "نائمون من دون رد فعل أمام هذه القسوة اللامتناهية، نحن متواطئون في هذه الجريمة".

برنامج "العفاف والحجاب"

منذ بداية عام 2022، حتى شهر سبتمبر/أيلول، برزت احتجاجاتٌ على تعامل الحكومة مع غير المحجبات، وصلت لدرجة إهانة المرشد الإيراني، أو خلع الحجاب علانيةً في الميادين والطرقات، كان آخرها وفاة مهسا أميني، على يد قوات الأمن.

وجاءت تلك الاحتجاجات ردًّا على ما سمّته حكومة إبراهيم رئيسي "برنامج العفاف والحجاب"، والتي تسعى لفرضه على المجتمع، وهو برنامج يُشدَّد الرقابة على النساء والمؤسّسات حتى لا يُسمح لامرأة غير محجبة، أو ترتدي حجابًا سيئًا، أن تكون حاضرةً بصورة طبيعية في المؤسّسات العامة، حيث وجد المجتمع نفسه في مواجهةٍ مع سياسةٍ قمعية لفرض ثقافة ومظاهر معينة على المجتمع النّسوي، وهو ما فجَّر موجةً من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن نزعة لتحدي السلطة في الشارع.

جاء ذلك، فيما أشار "مركز مناهضة العنصرية في إيران"، في بيان له، إلى أن "النظام يحاول فرض الحجاب في وقت تعارض فيه بعض الشخصيات الدينية فرضه على النساء"، مشيرًا إلى مواقف زعماء دينيين لهم شعبية واسعة بين الشعوب غير الفارسية، منهم محمد طاهر شبير الخاقاني الزعيم الروحي للشعب العربي الأحوازي وماموستا عز الدين الحسيني، الزعيم الروحي للأكراد، ومحمد كاظم شريعتمداري، صاحب الشعبية الواسعة بين أتراك إيران.

وذكر المركز أن "هذه المواقف كانت على نقيض رأي الخميني وخامنئي ورفسنجاني وباقي مسؤولي النظام الإيراني. وفي الوقت الحالي أيضًا تعارض بعض الشخصيات الدينية فرض الحجاب على النساء، فيما ينفخ المرشد الأعلى علي خامنئي في آلة القمع ضد النساء اللواتي يخترن نوع ثيابهن بإرادتهن".

في المقابل، حذرت قيادة الشرطة الإيرانية من أن وحداتها ستواجه "بكل قوتها" المتظاهرين الذين كانوا يحتجون على وفاة الشابة الكردية، وقالت القيادة في بيان: "اليوم يسعى أعداء جمهورية إيران الإسلامية وبعض مثيري الشغب إلى العبث بالنظام العام وأمن الأمة باستخدام ذرائع مختلفة، لكن عناصر الشرطة سيواجهون بكل قوتهم مؤامرات مناهضي الثورة".

من جانبها، ذكرت إذاعة "راديو فردا" التي تبث من براغ باللغة الفارسية، أنها أجرت بحثًا بناء على اللقطات والصور التي نشرت عن انتفاضة المدن المختلفة، وخلصت إلى أن الاحتجاجات شملت 83 مدينة، وقوبلت بعنف أمني غير مسبوق.

وفي ليلة 21 سبتمبر/أيلول وحدها، أسفرت عمليات إطلاق النار التي شنتها قوات الأمن عن مقتل ما لا يقل عن 19 شخصًا، من بينهم ثلاثة أطفال على الأقل.

وقالت "منظمة العفو الدولية" في بيان لها صدر يوم 26 سبتمبر/أيلول، إنَّ شجاعة المحتجين الذين يواجهون ردًا فتاكًا متصاعدًا من جانب قوات الأمن الإيرانية على مدار الأيام الماضية في أعقاب وفاة مهسا أميني، تكشف عن مدى الغضب في إيران إزاء قوانين الحجاب الإلزامي المسيئة، وعمليات القتل غير المشروع، والقمع واسع النطاق.

وأشارت الأدلة التي جمعتها المنظمة، إلى نمط مروّع يتمثل بإطلاق قوات الأمن الإيرانية الذخيرة الحية عمدًا وبشكل غير قانوني على المحتجين. وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "إنَّ ارتفاع حصيلة القتلى هو مؤشر مقلق عن مدى وحشية السلطات في الاعتداء على الحياة البشرية في ظلّ ظلمة حجب الإنترنت. وبما أنّ مفهوم تحقيق محايد غير موجود في إيران، فإنه يتعيّن على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تتجاوز التصريحات الإنشائية، وأن تستمع إلى صرخات الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان في إيران من أجل العدالة، وأن تنشئ على وجه السرعة آلية تحقيق مُستقلة تابعة للأمم المتحدة".

وجاءت هذه الاحتجاجات في ظل بيئةٍ داخلية محتقنة على خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المضطربة، وفي ظل تراجُع شعبية حكومة رئيسي التي لم تستطِع أن تُوفي بوعودها للمواطنين بعد عامٍ من وصولها إلى السلطة في أغسطس/آب 2021.

ومثلت الاحتجاجات مؤشرًا واقعيًّا على أزمة العلاقة بين النظام والناس، أو بين النظام وفئة لا يستهان بها من الشعب، وهي أزمة رأى المراقبون وقتها أنها تحتاج إلى تغيير في السلوك السياسي للدولة. فهذا الاحتجاج في حقيقته صراع على صورة إيران وهويتها السياسية والاجتماعية.

وعكست الاحتجاجات اتساع نطاق حالة الغضب والاحتقان الجماهيري، والشعور بالحرمان والظلم، كما عكست الفجوة المتّسعة بين النظام وهُويّته التي يحاول أن يفرضها من خلال القمع، والمجتمع الذي يتطلَّع إلى تحسين شروط حياته على المستويات الاجتماعية والثقافية والتحرر من قيود الدولة خصوصًا في فرض نمطٍ معين من السلوك والمظهر على حياتهم الخاصة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- عام على مقتل مهسا أميني... صغيرات المدارس في إيران روح الانتفاضة المستمرة، موقع إندبندنت عربية، 16 سبتمبر/أيلول 2023.

2- انتفاضة الحجاب: التظاهرات تتجدّد في مدن إيران، موقع إيلاف، 16 فبراير/شباط 2023.

3- لمراقبة فرض ارتداء الحجاب.. كيف استقبل الإيرانيون عودة شرطة الأخلاق؟، موقع الجزيرة نت، 19 يوليو/تموز 2023

.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.