المغرب في مرمى «الاستهداف» الإيراني

- 23 سبتمبر 2023 - 388 قراءة

توتر العلاقات بين إيران والمغرب ليس سياسيًا أو استخباريًا وأمنيًا فقط... بل لأسباب مذهبية بالدرجة الأولى

 

المملكة المغربية اختبرت المصالحة مع الملالي مرارًا وفي كل مرة كان يتم فسخ العقد والعودة إلى نقطة البداية

 

كان المغرب، وما يزال، في مرمى الاستهداف الإيراني، الأمر الذي دفع الرباط إلى قطع علاقاتها مع طهران في عام 2018، بشكل حاسم، بعد أن تأكد للمسؤولين المغاربة قيام إيران بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لجبهة البوليساريو، وهو ما يمثل اعتداء على سيادة التراب المغربي ووحدته، من خلال تزويد طهران الجبهة الانفصالية بصواريخ وطائرات مسيّرة عبر حليفها "حزب الله"، وهذا ما يؤكد طبيعة السلوك الإيراني العدواني ضد مصالح المغرب، ويساهم في تخفيض مستوى تطبيع العلاقات بين الجانبين.

ومنذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي عمل على تقوية العلاقة الدبلوماسية مع طهران قبل ثورة 1979، عاشت العلاقات المغربية الإيرانية، على إيقاع حالة من المد والجزر.

وقرر المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، سنة 1981 بعد إعلان إيران دعمها لجبهة البوليساريوالانفصالية، فيما منحت الرباط، مقابل ذلك حق اللجوء السياسي لشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي.

وعادت المياه إلى مجاريها بين الرباط وطهران، بعد عشر سنوات، عبر افتتاح السفارة الإيرانية في الرباط بشكل رسمي، وذلك بعد تراجع طهران عن الاعتراف بما يُسمى "الجمهورية الصحراوية" التي تود ميليشيات البوليساريو إنشاءها.

واستمرت العلاقات بين البلدين لمدة 18 سنة، وإثر دعم إيران لجبهة البوليساريو، قرر المغرب قطع العلاقات في سنة 2009، ليُعيدها سنة 2015، ويقطعها سنة 2018، لنفس الأسباب.

اختراق "الأمن الروحي"

كانت المملكة المغربية أولى الدول المغاربية التي تنبهت إلى خطورة التغلغل الإيراني، ولجأت خلال السنوات الماضية إلى قطع علاقتها الدبلوماسية مع إيران أكثر من مرة، احتجاجًا على تنامي النشاط الإيراني الطائفي، وقامت السلطات المغربية بحملات مراقبة لمختلف المكتبات، وصادرت الكتب التي لها علاقة بكل ما هو مذهبي مقيت. وحذرت تقارير أمنية مغربية من تغلغل الأفكار الشيعية في الأوساط الشعبية، وخطورة النفوذ الإيراني في البلاد.

وإلى جانب اتهام إيران بتقديم الدعم إلى البوليساريو، يظل ملف نشر التشيع من العوائق والتحديات التي تواجه إمكانية استئناف العلاقات الإيرانية- المغربية، لا سيما في ظل اتهامات الرباط لطهران بالإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة، والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي، ومحاولات حثيثة لاختراق الأمن الروحي لبلدان المنطقة والتشويش على معتقدات شعوبها.

وفي هذا الصدد، نشطت مشاركات دور النشر والشخصيات الفكرية الإيرانية في المغرب، وراجت الكتب ذات المرجعية الشيعية في المعرض السنوي للكتاب بالرباط، إضافة إلى تنظيم أسبوع للترويج للسينما الإيرانية في المملكة، وإقامة معارض للوحات الفنية والجمالية القرآنية. وكشفت وسائل الإعلام المغربية، مرارًا، عن أن النشاط الإيراني في المغرب يهدد استقرار البلاد فى الوقت الراهن ومستقبلًا، وأن المستقطبين يعملون وفق أجندات إيرانية سياسيًا وعقائديًا.

ويؤكد المحلل السياسي المغربي محمد ماموني العلوي، أنه ليس هناك ضمانات بأن تتخلى إيران الشيعية عن دعم البوليساريو، التي تعتبرها قنطرة موضوعية وجسر مجانيا نحو السيطرة على دول الساحل والصحراء، وزيادة تغلغلها في دول غرب أفريقيا، العمق الاستراتيجي الأفريقي للمغرب السني.

ويضيف العلوي، أن المغرب فاعل أساسي في المنطقة وإفريقيا وهو متمسك بموقعه الجيوسياسي، ويعمل بكل قوته لكبح جماح إيران التي دأبت على استخدام الجماعات المسلحة بالوكالة مثل "حزب الله" في لبنان وغرب إفريقيا، وجماعة الحوثي في اليمن، وجعلت من "البوليساريو" ذراعًا وجسرًا للوصول إلى أبواب المملكة وتهديد مصالحها ووحدتها الترابية، باعتبارها عدوًا للجمهورية الإيرانية، والهدف الأبعد لها هو تحقيق سياسية تفاوضية للضغط على الدول الغربية وواشنطن و(إسرائيل).

المصالحات العربية- الإيرانية

رفعت إيران، خلال الآونة الأخيرة، سقف طموحاتها بتوسيع دائرة "مصالحاتها الدبلوماسية" لتشمل بلدانًا عربية أخرى، بعد أن جرى التقارب السياسي بينها وبين المملكة العربية السعودية، خصوصًا مع المغرب ومصر.

هذا المطمح، أعلن عنه بجلاء مؤخرًا، وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، عندما تحدث عن أن "طهران تؤيد فكرة تطبيع وتطوير العلاقات الثنائية مع كل من الرباط والقاهرة".

وبعد أن أبدى عبد اللهيان سعادته "بإعادة العلاقات بين السعودية وإيران إلى مجراها الطبيعي عبر المفاوضات والقنوات الدبلوماسية"، أعرب عن أمله أيضًا في "تطوير وتطبيع العلاقات مع الدول الأخرى في المنطقة والعالم الإسلامي، بما في ذلك مصر والمغرب".

وفيما لم يرد المغرب رسميًا على تصريحات رئيس الدبلوماسية الإيرانية، رأى مراقبون أن "هذه التصريحات رسالة موجهة إلى الرباط لاستشعار مدى تفاعلها مع إبراز حسن النية الإيرانية هذه، غير أنها حسن نية تتطلب أفعالًا على أرض الواقع".

وهناك من يتكهن أن التقارب السعودي- الإيراني الحالي مقدمة منطقية لاستعادة العلاقات بين طهران والرباط، اعتبارًا للتضامن الدبلوماسي والسياسي والإنساني بين المملكتين، وقياسًا لدواع جيواستراتيجية. لكن هناك نقطة أساسية لا بد من الانتباه إليها وهي أن توتر العلاقات بين إيران والمغرب ليس سياسيًا أو استخباريًا وأمنيًا فقط، بل إن التوتر متجذر لأسباب دينية مذهبية بالدرجة الأولى، تعود إلى سبعينات القرن الماضي، وهذا ما يجعلنا نستبعد أن يحذو المغرب حذو المملكة العربية السعودية في القرار السيادي المتعلق بعلاقاته مع طهران.

من جهته قال المتخصص في الشأن المغربي إدريس الكنبوري إنه "منذ استئناف العلاقات بين إيران والسعودية، مارس/آذار الماضي عبر وساطة الصين، أصبحت طهران تخطب ود العواصم العربية الأخرى التي حصلت معها أزمة سياسية أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، ومنها المغرب".

ولفت الكنبوري، إلى أن إيران تسعى إلى الخروج من عزلتها في المحيط العربي، خاصة في ظل التحولات العالمية الجديدة التي ترتكز على الأحلاف بين روسيا والصين من جهة وأوروبا وأمريكا من جهة ثانية، وفي هذا الإطار يمكن فهم وساطة بكين.

وتابع الكنبوري قائلًا: "إيران تفهم شروط المغرب لاستئناف العلاقات، لأن القطيعة حصلت بسبب تدخل طهران في قضية الصحراء، وأي عودة للعلاقات سيترتب عنها إعادة نظر إيران في سياستها في منطقة المغرب العربي بشكل عام وليس تجاه المغرب فقط، باعتبار أن لقضية الصحراء تداعيات إقليمية".

وأضاف "إيران مطالبة بإعادة النظر في سياستها الإقليمية في المنطقة وتحديد سقف علاقاتها مع الجزائر، خصوصًا في ظل الأزمة الحالية بين الجزائر والمغرب"، مضيفًا أنه "إذا كان وزير الخارجية الإيراني أعلن رغبة بلاده في عودة العلاقات في هذا الوقت بالذات، فهذا معناه أن طهران أصبحت تدرك خطأ سياساتها السابقة".

غير أن المغرب اختبر المصالحة مع جمهورية الملالي، ولكن في كل مرة كان يتم فسخ العقد والعودة إلى نقطة البداية. فما هي الضمانات التي سيقدمها حلفاء إيران الجدد والقدامى هذه المرة؟ هل هناك ما يكفل عدم تدخل إيران في الشأن المغربي والامتناع عن تهديد مصالحه الحيوية، سواء في المنطقة أو داخل إفريقيا التي تضعها طهران ضمن مخططها التوسعي وتعمل على الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- السياسة الإيرانية في شمال أفريقيا.. اختراقات وإخفاقات، موقع الوطن، 1 يناير/كانون الثاني 2019.

2- تطبيع العلاقات بين المغرب وإيران.. إعادة تعريف العدو، موقع العرب، 23 مايو/آيار 2023.

3- شهية إيران الدبلوماسية "مفتوحة" على المغرب، موقع إندبندنت عربية، 3 يوليو/تموز 2023.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.