يُعتبر المفكّر العربي الكبير الدكتور عبد الحسين شعبان أحد أبرز أصدقاء الشعب الكردي، وهو داعية لحقه في تقرير مصيره دون لبس أو إبهام أو غموض. وحين نريد أن نستعرض أهم الشخصيات اليسارية والديمقراطية العراقية التي وقفت إلى جانب كفاح الكرد، سيبرز اسمه إلى جانب شخصيات لامعة، مثل عبد الفتاح إبراهيم وعزيز شريف ومحمد مهدي الجواهري وكامل الجادرجي وهادي العلوي.
ومنذ أكثر من خمسة عقود من الزمن، كان شعبان يُجاهر بموقفه هذا، وينتصر للشعب الكردي في أماكن وجوده المختلفة، وفي المؤتمرات والندوات والأنشطة الفكرية والثقافية والحقوقية العربية والدولية، كان دوره فاعلًا وصوته متميّزًا وقلمه ماضيًا في صياغة قرارات وتوصيات داعمةً للشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة.
وبغضّ النظر عن تغيّر السياسات واختلاف المواقف وتبدّل المواقع، بقي شعبان حاملًا راية التآخي العربي – الكردي، باحثًا عمّا يقرّب بين العرب والكرد، ومتجاوزًا ما يُبعد بينهما.
وبقدر تمسّكه بعروبته الحضارية ذات البُعد الثقافي الإنساني، كما يقول، فإنه في الوقت نفسه يُؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فمثلما يدعو لوحدة أمة العرب، فإنه يدعو لوحدة أمة الكُرد ويؤكّد دائمًا على العيش المشترك والمصير المشترك والحلم المشترك ببناء حياة تليق بالإنسان وكرامته وحريّته.
وفي عام 1992 نظّم الدكتور شعبان بصفته رئيسًا لـ "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" في لندن أوّل حوار عربي – كردي، إذْ ما كان يشغله حينها سؤال جوهري ظلّ يردّده طيلة عقود من الزمن: ماذا يريد الكرد من العرب؟ وماذا يريد العرب من الكرد؟ وهي الأسئلة ذاتها التي ظلّت مستمرة وتحتاج إلى معالجات سلمية وعقلانية وقانونية.
ولم يكتفِ شعبان برؤيته الفكرية والأكاديمية بالحوار وأبعاده ومضامينه، بل وسّع من دائرته بعد أن بلور فكرة حوار بين "مثقفي الأمم الأربعة": الترك والفرس والعرب والكرد، تلك التي أصبحت منذ أكثر من عقدين من الزمن مادةً مطروحة على بساط البحث بين النُخب المختلفة، وذلك بعد سلسلة لقاءات وحوارات وكتابات ومؤتمرات في لندن وبيروت وتونس ومكناس وأصيلة وغيرها. ونظّم سموّ الأمير الحسن بن طلال مؤتمرًا كبيرًا في عمّان (2018) تحت عنوان "أعمدة الأمة الأربعة" باعتبار هذه الأمم جزءًا من إقليم المشرق الذي يمتاز بالتنوّع القومي والإثني والسلالي والثقافي واللغوي والديني والاجتماعي وغيره، الأمر الذي يتطلّب تعاون شعوبه وأممه وحكوماته.
وخلال كفاحه من أجل حق تقرير المصير للشعب الكردي، حظي د. عبد الحسين شعبان، وهو المفكّر المرموق والأكاديمي الموضوعي، بثقة النُخب الثقافية والفكرية الكردية، فضلًا عن القيادات السياسية، بغض النظر عن اتفاقه أو اختلافه معها بشأن العديد من القضايا والمواقف السياسية ما قبل احتلال العراق العام 2003 وما بعده، فهو بحكم أصوله اليسارية واستقلاليته مثّل نموذج المثقّف العضوي بصفته ضميرًا للناس، متماهيًا مع تطلّعاتهم وهمومهم، خارج دوائر الاصطفافات السياسية والمصالح الخاصة.
د. شعبان، مجرّدٌ من الألقاب الكثيرة التي لا يستسيغها، هو صديق صدوق للشعب الكردي، وصديقك كما يُقال من صدقك، فهو واضح في انحيازه الثابت لحقوقه العادلة والمشروعة وجريء في انتقاداته دون مجاملات، لذلك استحقّ وسام الصداقة العربية الكردية لوفائه وإخلاصه، فقد وقف مع محنته حين تعرّض لحملة الأنفال وجريمة حلبجة (1988)، إضافة إلى عمليات التهجير والترحيل والتعريب وعبّر عن مواقفه المتميزة هذه في مناسبات مختلفة، يوم كان ثمن هذه المواقف غاليًا.
وبمناسبة نيله جائزة الوفاء من الكويت (مؤسسة سعاد الصباح الثقافية)، نجري مع الدكتور شعبان هذا الحوار الصريح والمتميّز بخصوص مواقفه الكردية، حيث أكد أن مبادرة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان لإحلال السلام بين الكرد والأتراك، مبادرة تاريخية، ترتّب مسؤوليات على الطرف التركي، منوهًا إلى أن هذه المبادرة ينبغي أن تُؤخذ بجديّة ويتمّ التعامل معها بموضوعية بعيدًا عن منطق "الغالب والمغلوب"، لا باعتبارها دليل ضعف أو تراجع، وإنما دليل عقلانية وتطوّر ومراجعة للتجربة بما لها وما عليها، لأنها تمثّل استراتيجيةً "سلميةً هجومية" جديدةً للصراع التركي- الكردي.
أضاف شعبان، في حوار شامل لـ "كردستان" أن موقفه المؤيد للحق الكردي على طول الخط، ليس هبةً أو مكرمةً، بل هو إقرار بواقع أليم عانى منه هذا الشعب طيلة عقود من الزمن، مشيرًا إلى أن الكرد من الأمم الكبرى في المنطقة، على مر التاريخ، ولكنهم الأمة الوحيدة المحرومة من التمتّع بحقها في إقامة دولة مستقلة.
وأكد المفكّر العربي الكبير، أن الكرد في العراق يمثلون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي الوطني على مرّ تاريخ البلاد، وليس غريبًا عليهم المساهمة في قتال تنظيم "داعش" الإرهابي، ودافعوا عن مناطقهم ضدّه، وأبلوا بلاءً حسنًا.. وإلى نص الحوار:
• على ماذا تبني موقفكم من الشعب الكردي؟
وموقفي هذا من الشعب الكردي ليس هبةً أو مكرمةً أو هديةً، بقدر ما هو إقرار بواقع أليم عانى منه هذا الشعب طيلة عقود من الزمن. إنه حق ثابت وغير قابل للتنازل أو التصرّف، ولكن يتمّ التعبير عنه بصيغ وأشكال مناسبة وملموسة في الظرف الملموس، استجابةً لمصالحه ومصالح الأمة الكردية من جهة، وكذلك لمصالح شركائه في دول الإقليم من جهة أخرى، وينبغي تعزيز الثقة المتبادلة على أساس حسن الجوار والسلام والتسامح والمصالح المشتركة.
معاناة الكرد المُركبّة
• لماذا حذّرتم منذ وقت مبكّر من مخاطر الاعتماد على القوى الخارجية وما تضمره من شرور للشعب الكردي ولشعوب المنطقة كافة؟
وإذا كانت الأمم العربية والفارسية والتركية لها دول وتحظى باعتراف دولي، فالكرد هم من الأمم الكبرى في المنطقة (ما يزيد عن 40 مليون نسمة) الوحيدة المحرومة من التمتّع بحقها في إقامة دولة.
• تقدّمتم طيلة أكثر من خمسة عقود بمبادرات مختلفة لتعزيز العلاقة العربية – الكردية فحسب... ماذا عن هذه المبادرات؟
وحين اندلع القتال الكردي - الكردي (1994 – 1998)، وجّهت الرسائل تلو الرسائل إلى قيادتي الرئيس مسعود البارزاني والرئيس جلال الطالباني، داعيًا إياهما إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات وحلّ الخلافات بين حزبيهما بالحوار السلمي والتفاهم، وأخذ مصلحة الشعب الكردي بعين الاعتبار. وفي إحدى مقابلاتي قلت: إذا كان تقسيم كردستان خطيئة، فإن القتال الكردي - الكردي جريمة.
وخلال فترة التسعينيات وحتى العام 2003 لم أنقطع عن زيارة كردستان بدعوة سياسية لإلقاء محاضرات على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين (كلية القانون والسياسة)، فضلًا عن اللقاء مع النُخب الفكرية والثقافية والأدبية والسياسية والإعلامية، حيث ترتبط كردستان في ذاكرتي لكوني كنت "نصيرًا شيوعيًا" في ثمانينيات القرن الماضي، وعشت مع قوات "البيشمركة" وتلمّست ظروفهم القاسية وأوضاعهم الصعبة، إضافة إلى معاناة الكرد المركّبة، ولذلك أصبح الدفاع عن حقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من نضالي الحقوقي والفكري، ومثلما كرّست جزءًا من كفاحه للدفاع عن حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وضدّ نهج "إسرائيل" العنصري الإقصائي الإجلائي، فقد وقفت مع شعب كردستان في أقطاره المختلفة دفاعًا عن قيم سامية أؤمن بها.
مبادرة عبد الله أوجلان
• كيف تقوّم مبادرة أوجلان للسلام الأخيرة؟
وأهمية المبادرة تكمن في أن أوجلان وضع أسس الحل في إطار الدولة التركية، وسبق له أن أسماها "الأمة الديمقراطية" بدعوة لإعادة ترتيب العلاقات واحترام قيم العدالة والحريّة والديمقراطية.
وبتقديري، يحتاج الحل إلى إعلان من جانب الدولة التركية بقبولها المبادرة والشروع بعدد من الإجراءات والتدابير التي تساعد عليها، وذلك بإصدار عفو عام ووقف جميع التعقيبات القانونية لإنهاء النزاع المسلّح والعمل على إعادة المنفيين والمهاجرين وفتح باب الحوار لوضع صيغة حل تتناسب مع الأوضاع التركية، كما يحتاج الأمر إلى إجراء تعديل دستوري ضروري بإقرار القومية الكردية وحقوقها قانونًا.
• يرى البعض أن أوجلان قدّم رؤية «ما فوق قومية» تجمع بين العدالة والديمقراطية؛ برأيك، هل هذا الطرح قابل للتطبيق في بنية سياسية مثل الشرق الأوسط؟
وإذا أردنا سحب هذه الصيغة على دول المشرق، فإنها جميعها تحتاج إلى مثل هذه البيئة لدمج العدالة بالتنمية كأساس للتحوّل الديمقراطي، وقبل كلّ ذلك توسيع دائرة الحريّات، ولاسيّما حريّة التعبير وإقرار مبادئ المساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية، وإن كانت بحدّها الأدنى والشراكة والمشاركة، وهذه المنظومة المترابطة عضويًا تمثّل أركان المواطنة الحيوية، التي لا غنى عنها في الدولة العصرية، ودائمًا ما أردّد "نحن شركاء في هذا الوطن، وينبغي أن نكون مشاركين باتخاذ القرار".
• هل يمكن القول إن مبادرة أوجلان الأخيرة هي لحظة مفصلية في تاريخ الكرد؟
أدركت بعد أيام من المتابعة القيمة الحقيقية لمبادرة أوجلان، خصوصًا الاستجابة الواسعة من لدن المقاتلين، بمن فيهم من كانوا في جبل قنديل الذي عشت بجواره نحو عام. وأتذكّر قسوة الطبيعة والظروف المناخية، فضلًا عن وعورة الحياة والابتعاد عن المدينة، فكيف حين يعيش فيه المرء 5 أو 10 سنوات، ولاسيّما دون بصيص أمل أو حل يلوح من الأفق؟ بالتأكيد أن النساء والرجال الذين عاشوا في ذلك الجبل العنيد كانوا أصحاب قضية، بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع خياراتهم السياسية.
لقد أدرك أوجلان أن طريق الكفاح المسلّح لوحده لن يحلّ القضية الكردية، ولن يحقق مطامح الشعب الكردي، فالعنف سيأتي بالعنف، وعنف السلطة أكبر وأشد وأقسى من عنف المعارضات، ناهيك ما سيتركه من تأثيرات نفسية واجتماعية على الطرفين، سواء من يستخدمه أو من يتعرّض له، وفي كلّ الأحوال سينتزع جزءًا من إنسانية الإنسان، ولذلك فأوجلان بهذه المبادرة يراهن على التراكم الكبير الذي أحرزه الشعب الكردي في تركيا، فضلًا عن نجاح الفيدرالية العراقية من جهة، أي وجود تجربة قائمة، حتى وإن كان عليها بعض الملاحظات، يضاف إلى ذلك التغيير في الموقف من حقوق الكرد وهويّتهم الفرعية على الصعيدين الإقليمي والدولي من جهة أخرى، حيث أصبحت القضية الكردية تحظى بتعاطف ملحوظ، وهي اليوم غيرها في السبعينيات والثمانينيات عند تأسيس حزب العمّال الكردستاني ونشاطه على الساحة الكردية.
استراتيجية سلمية "هجومية"
• كيف تنظر إلى تحوّل أوجلان من قائد عسكري إلى مفكر يدعو للسلام؟ وهل يمكن مقارنته بشخصيات مشابهة في التاريخ الحديث؟
ولعلّ قناعته الجديدة، أن الطريق السلمي هو السبيل المناسب لتحقيق حقوق الشعب الكردي، هي خلاصة تجربته الفكرية والسياسية، أي نبذ العنف، لا سيّما دعوته إلى إلقاء السلاح، ومبادرته قامت على قراءة جديدة للأوضاع والمستجدات الكردية والإقليمية والدولية، حتى وإن كان يعيش في عزلته السجنية (أكثر من ربع قرن – منذ العام 1999).
ولهذا فإن هذه المبادرة ينبغي أن تُؤخذ بجديّة ويتمّ التعامل معها بموضوعية بعيدًا عن منطق "الغالب والمغلوب"، لا باعتبارها دليل ضعف أو تراجع، وإنما دليل عقلانية وتطوّر ومراجعة للتجربة بما لها وما عليها، لأنها تمثّل استراتيجيةً سلميةً هجومية جديدةً للصراع التركي- الكردي. صحيح أن المبادرة أعادت خلط الأوراق على نحو مفاجئ وغير متوقّع أو مسبوق، إلّا أنها أضافت بُعدًا جديدًا للعمل السياسي باستبعاد العنف.
وتوصّلتُ إلى قناعة أن ما طرحه أوجلان هو جدير بالتفكّر والتأمل والتدبّر من جانب جميع الأطراف، وإذا ما لقي استجابة من الجهة الرسمية، فإنه سيضع حدًا لتاريخ عنفي كانت الخسارة فيه للجميع. فقد أصبح أوجلان زعيمًا حقيقيًا ليس عبر الكفاح المسلّح، بل هو اليوم صاحب مبادرة كبرى بدعوته السلمية وإلقاء السلاح ومد يد المصافحة والمصالحة التاريخية.
ويمكنني إيراد بعض الأمثلة عن مبادرات شجاعة، فمثلًا أقدم الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس على خطوة تاريخية بإبداء استعداده على إجراء مصالحة مع "حزب فاركا" الماركسي - اللينيني المتطرّف الذي خاض الكفاح المسلّح ضدّ السلطة لنحو 52 عامًا، وبسبب النزاع المسلّح جرى تجريف نحو ثلث الأراضي الكولومبية، كما تفشّت المخدرات والفساد والأنشطة غير المشروعة في البلاد، لذلك استحقّت مبادرته جائزة نوبل للسلام. وفي العام 2019 منحه مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلم في مهرجان الناظور السينمائي جائزة ذلك العام تقديرًا لدوره الريادي في إطفاء بؤرة حرب أهلية وتحقيق المصالحة.
كما خرج نيلسون مانديلا بعد 27 عامًا من السجن ليصبح رئيسًا للجمهورية في أول انتخابات في جنوب أفريقيا (1994)، وأول دعوة وجهها هي المصالحة التي تمثّل جوهر العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والتعويض وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون كي تتم مصالحة حقيقية، بعيدًا عن الثأر والانتقام والكيدية.
أظنّ أن دعوة أوجلان إلى مصالحة وإبداء حسن النية المسبق ومن طرف واحد جديرة بأن تُؤخذ بنظر الاعتبار، لأنها مثّلت نموذجًا جديدًا في العمل السياسي والقومي والحقوقي، وهي تحتاج إلى المزيد من التأمل والتدقيق، خصوصًا لمعرفة ما ستفضي إليه.
• في ضوء سجنه الطويل، كيف استطاع أوجلان أن يحافظ على تأثيره الفكري والسياسي في أوساط الحركة الكردية وخارجها؟
وأوجلان من هذا الرعيل، الذي وضع بصمته الواضحة في كفاح الشعب الكردي، وتمكّن على الرغم من سجنه الطويل التأثير فيه عاطفيًا ونفسيًا وواقعيًا، وذلك هو دور الزعماء التاريخيين.
الدعم العربي للكرد
• ما تأثير هذه المبادرة على المزاج السياسي العربي تجاه القضية الكردية؟
• هل تلمس تغيّرًا في الخطاب الثقافي أو النخبوي العربي تجاه الكرد، خصوصًا بعد ما قدموه من تضحيات في الحرب ضد "داعش"؟
وللتاريخ، يذكر محمد حسنين هيكل أن عبد الناصر نصح "البعثيين" في العام 1963 بعدم اللجوء إلى العنف ضدّ الكرد، وظلّت ممثلية كردية قائمة في القاهرة في مختلف الظروف، وهي أقرب إلى "سفارات" حتى في أيام المعارضة. وأتذكّر في التسعينيات أن ممثّل الاتحاد الوطني الكردستاني كان الصديق عدنان المفتي، وأن ممثّل الحزب الديمقراطي الكردستاني كان عمر بوتاني. وإلى اليوم فإن ممثلين عن الحزبين موجودين في القاهرة.
والجدير بالذكر أن المؤتمر الثاني للحوار العربي – الكردي انعقد في القاهرة عام 1998 (وذلك بعد وقف القتال الكردي – الكردي والاتفاق بين الحزبين)، وحضرته شخصيات مصرية بارزة من منظمات التضامن وحقوق الإنسان، كما شاركت فيه أبرز الشخصيات الكردية الفاعلة حينها، وعدد محدود من الشخصيات العراقية العربية، وكان لي شرف حضوره وتقديم بحث أساسي فيه.
• ماذا عن الكرد العراقيين؟
• برأيك، هل ما زالت هناك حساسية في الذهنية العربية تجاه الحقوق القومية للكرد؟ وما أسباب استمرار هذه العقدة إن وجدت؟
• هل ترى إمكانية حقيقية لولادة خطاب مشترك بين العرب والكرد، قائم على الاعتراف والعدالة والمشاركة السياسية؟
خارج حسابات الأنظمة
• كيف يمكن للمجتمع المدني والنخب الثقافية أن تسهم في رأب الصدع بين الطرفين خارج حسابات الأنظمة الرسمية؟
• هل تعتقد أن التجربة الكردية في بناء إدارات ذاتية يمكن أن تقدم نموذجًا يحفّز الإصلاح السياسي في العالم العربي؟
• ما الذي يحتاجه العرب والكرد معًا لتجاوز قرنٍ من التنازع إلى شراكة عادلة؟ وما دور المثقفين العرب في هذه اللحظة التاريخية؟
فبقدر اهتمام العرب بحقوق الكرد اهتمّ الكرد أيضًا بحقوق العرب، ولاسيّما في فلسطين، وقد التحق بعضهم بصفوف الثورة الفلسطينية، وثمة شهداء منهم، سواء في حرب عام 1948 أو في مواجهات تالية مع (إسرائيل)، تصديًا لعدوانها منذ سبعينيات القرن الماضي.
نحن نحتاج إلى وقفة تاريخية لمراجعة مواقفنا من خلال النقد والنقد الذاتي، وذلك بهدف إعلاء شأن الثقافة وحل إشكاليات تبعية الثقافي للسياسي، والأمر لا يعود إلى السياسي وحده، الذي يحاول أن يستخدم المثقف كرأس حربة فحسب، بل إلى المثقف الذي يقبل أن يحرق البخور إلى السياسي ويؤدلج له خطابه ويزيّن له ممارساته السلبية وأحيانًا يجد له الذرائع لتبرير مواقفه التي تتعارض مع قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
• بعد الإعلان عن حلّ حزب العمال الكردستاني رسميًا، كيف تقرأون هذه الخطوة من حيث دلالاتها السياسية والفكرية؟ وهل تمثل نهاية لمرحلة الكفاح المسلح وبداية لتحول جذري في المشروع الكردي؟
وبالعودة إلى سؤالك عن الكفاح المسلّح، أعتقد أن أوجلان قرأ الظروف الحالية على نحو دقيق، واستشرف آفاقًا مستقبلية مختلفة عن التقديرات السابقة في الثمانينيات، حيث رأى أن ممارسة الكفاح المسلّح والعنف الثوري لم تعد مقبولة في الظروف الراهنة، فضلًا عن أنها لا تفضي إلى النتيجة المرجوّة، لكنّ ماذا إذا لم تستجب السلطة للمطالب الكردية، وإن بحدّها الأدنى أو إلى مشروعه بخصوص الأمة الديمقراطية؟ بالتأكيد ستنشأ أشكال جديدة من الممارسة، وبعضها قد يكون عنفيًا، خصوصًا حين يصبح الطريق في الحصول على الحقوق سلميًا غير ممكن أو حتى مستعصيًا. وتلك معادلة ديالكتيكية في التجربة التاريخية الكونية في طلب الحقوق مهما طال الأمد، فلكلّ قانون فعل وردّ فعل.
• هل تعتقدون أن قرار حل حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح سيقابل بخطوات مقابلة من الدولة التركية؟
كما يحتاج إلى تسوية مشاكل المياه والحدود، فلم يعد مبررًا التعكّز على وجود حزب العمّال الكردستاني الذي ألقى السلاح وجنح إلى السلم، لوجود قوات تركية واستمرار القصف على قرى وقصبات كردستان ونزوح مئات العائلات منها، ويحتاج كذلك إلى حل مثل هذه المشاكل مع إيران أيضًا التي تتذرّع بذرائع مختلفة، لكي تمارس سيادتها العسكرية على الأراضي العراقية، فتقوم بقصف بعض المناطق والتدخّل بالشؤون الداخلية.
أضف إلى ذلك أن حل المشكلة الكردية في إيران وتركيا سيضع المنطقة على عتبة طريق جديد من التعاون والتنمية، والأمر كذلك يواجه السلطة الجديدة في سوريا بعد الإطاحة ببشار الأسد، وذلك بالتفاهم والحوار والاعتراف بالحقوق ضمن إطار الدولة السورية، من خلال الاعتراف بالتعددية والتنوّع وخصوصية الإدارة الكردية.
• كيف ترون سعي بعض القوى التركية إلى التوظيف السياسي الظرفي لمساعي السلام؟
والخلاصة أقول: لقد عانى الكرد مثلما عانى العرب من تقسيم بلادهم في معاهدة سايكس – بيكو (1916) عشية انهيار الدولة العثمانية، وتوزع الشعب الكردي على أربعة أقطار أساسية هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا، وإذا كانت معاهدة سيفر (1920) قد اعترفت بجزء من حقوق الكرد، فإن معاهدة لوزان (1923) كانت بمثابة طي صفحة الشعب الكردي الذي ثار في العام 1919 (ثورة الشيخ محمود الحفيد) وظلّت القضية الكردية خارج الأروقة الدولية طيلة 7 عقود من الزمن، وحاولت إيران والولايات المتحدة الأمريكية استخدامها كورقة في صراعاتها في المنطقة، الأمر الذي قاد إلى انتكاسة الحركة الكردية في العام 1975، بعد أن تخلّى عنها كلّ من طهران وواشنطن في لحظة مساومة تاريخية بتوقيع اتفاقية الجزائر بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين في 6 آذار/ مارس 1975.
وألحقت هذه الاتفاقية نكسة كبيرة بالحركة الكردية وضاعفت من الإمعان في انتهاك حقوق الشعب الكردي، فضلًا عن إلحاقها ضررًا بقضية التقدّم في المنطقة، لكن القضية الكردية عادت إلى صدر الأحداث بعد مغامرة غزو الكويت في 2 آب/ أغسطس 1990، وأصبحت شأنًا دوليًا بعد صدور القرار 688 في 5 نيسان/ أبريل 1991، الذي أكّد على وقف القمع الذي تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، خصوصًا بدعوته إلى احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع العراقيين.
وبسبب الهجرة المليونية الكردية المرعبة، لم يسمح للطيران العراقي بالتحليق فوق خط العرض 36، وأعلنت هذه المنطقة "ملاذًا آمنًا" No Fly Zone، وأقيمت الإدارة الكردية عليها بعد سحب الحكومة العراقية إدارتها منها، حيث أجريت أول انتخابات كردية في العام 1992. وبعد الإطاحة بالنظام السابق تبنّى الدستور الدائم العام 2005 (الفيدرالية).
هذه باختصار خلفية تاريخية للقضية الكردية التي ظلّ الوعي العربي قاصرًا في النظر إليها، كما بقيت هي عقدة مستعصية وبؤرة توتّر دائمة للحكم في العراق إلى حدود غير قليلة في تركيا وإيران وسوريا، ولو استطاعت أنظمة الحكم المتعاقبة حلّها على أساس المواطنة والمساواة لجنّبت العرب والكرد الكثير من المآسي والخسائر المادية والمعنوية ولفوّتت الفرصة على استغلالها من جانب القوى الخارجية، وهو الأمر الذي يحتاج إقراره تركيًا وإيرانيًا وسوريًا.
أعتقد أن العرب والكرد وجيرانهم بحاجة إلى إعادة ترميم العلاقة بينهما، وتنقية الذاكرة ممّا علق بها من آلام وأحزان بوضع حدّ للاستعلاء القومي ومحاولات التسيّد وفرض الهيمنة من جانب الحكومات والقوى المتسيّدة، ومن ضيق الأفق القومي والإنعزالية والرهان على الخارج من جانب بعض القيادات الكردية، وتلك كانت خلاصة تجربة الزعيم الكردي الكبير الملّا مصطفى البارزاني بعد تجربته المريرة بخذلانه من قبل واشنطن وطهران، وفي ذلك أحد الدروس التاريخية التي ينبغي أن تكون ماثلة أمامنا باستمرار على مر الزمن.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية