تتريك سوريا.. كيف تخطط أنقرة لتكرار سيناريو لواء إسكندرون؟

- 19 مايو 2023 - 849 قراءة

إذا قادتك الظروف يومًا لزيارة سوريا وتحديدًا مدن مثل جرابلس أو إعزاز أو إدلب أو عفرين أو الباب ربما تشعر بالدوار أو أنك أخطأت المسار ووصلت تركيا وليس سوريا.

جولة سريعة فى شوارع أحد مدن الشمال السوري الخاضعة للاحتلال التركي كفيلة بجعل عقلك يصاب بالشطط من حجم التغيير الديموغرافي الذى تشهده تلك المدن، فلو رفعت رأسك عاليًا سترى الأعلام التركية ترفرف فى كل مكان بجانب صور الرئيس التركي أردوغان التي تعلو معظم المؤسسات الحكومية التي يفترض أنها سورية وليست تركية.

أما إذا أصابك العطش ودخلت أحد المحال التجارية لتشتري زجاجة مياه فقد يفاجئك البائع بطلب 10 ليرات تركية وليست سورية!

أما إذا حاولت التأكد من طبيعة المكان وهويته وأوقفت أحد الأطفال لتسأله عن إسم المنطقة فلا تستغرب إن جاءك الرد باللغة التركية!

ما سبق ليس دربًا من خيال الكاتب، كما أنه ليس مشهد من مسلسل درامي لا يمت للواقع بصلة بل هو واقع متجسد حرفيًا فى مناطق سورية عديدة كانت حتى وقت قريب جزء من الثقافة والهوية السورية والكردية، لم تكن تسمع فيها سوي اللغة العربية أو اللهجة الكرمانجية الكردية على اعتبار أن الكرد هم السكان الأصليون لهذه المناطق قبل أن يدخلها الأتراك.

ما تشهده مدن الشمال السوري هو جزء من المخطط التركي الساعي لاستنساخ سيناريو لواء الإسكندرون الذى كان محافظة سورية ولكنه أصبح ولاية هاتاي التركية بعد أن ضمته تركيا بتواطؤ فرنسي فى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي.

تركيا التي استغلت الفوضي الدولية مع اندلاع الحرب العالمية الأولي من أجل تنفيذ مخططها فى استقطاع لواء إسكندرون من الدولة السورية وضمه للسيادة التركية هي نفسها من استغلت الفوضي السورية والأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمان من أجل قضم المزيد من الأراضي السورية وتوسيع الحدود التركية.

بداية المؤامرة

المؤامرة التركية بدأت مع بدء الأزمة فى سوريا التي شهدت مظاهرات مشابهة لما شهدته عواصم عربية عديدة ضمن موجة الربيع العربي التي ضربت الشرق الأوسط عام 2011، ورغم أن موجة الغضب السورية كانت عفوية وغير مؤدلجة وخرج فيها السوريين بكافة مشاربهم وأطيافهم ضد النظام البعثي الذي لم يعتاد أن يستمع لصوت معارض أو رأي مخالف فما بالك وقد هزت هتافات "الشعب يريد إسقاط النظام" مدن حلب ودرعا.

تعامل النظام الدموي مع الحراك الشعبي واستخدامه للبراميل المتفجرة فى مواجهة مظاهرات الغضب دفع بالثورة السورية السلمية باتجاه الحرب الأهلية حيث تدخلت دول مثل إيران لدعم النظام فى حين إدعت تركيا دعمها للمعارضة وفتحت حدودها أمام المقاتلين من كافة أنحاء العالم بعد دعوات وفتاوي من شيوخ جماعات الإسلام السياسي بجواز تحويل أرض الجهاد من فلسطين إلي سوريا.

مع اشتداد المعارك، أصبح لتركيا جيشها الخاص داخل سوريا، فمعظم المقاتلين الأجانب دخلوا عبر حدودها، وبمعرفة مخابراتها، وتشكلت الفصائل والميليشيات التي ترفع شعارات إسلامية وتدين بالولاء والطاعة للدولة التركية التي تدعمها بالمال والسلاح.

وبمرور الوقت، ومع استمرار الدعم التركي، بدأ الصراع السوري فى دخول مرحلة جديدة من المواجهات، حيث تحولت فوهة البنادق من مواجهة النظام البعثي العلوي الكافر كما كانت تصفه الميليشيات المتطرفة الموالية لتركيا إلي مواجهة الأكراد العدو التاريخي للدولة التركية والذين بدأوا فى تشكيل فصيل مسلح لحماية أنفسهم ومناطقهم من الفوضي السورية التي تحرق الأخضر واليابس شأنهم فى ذلك شأن معظم القوميات والأطياف السورية.

معارك كوباني

مع فشل سيطرة تنظيم داعش على مدينة كوباني "عين العرب السورية" التي تعتبر أحد معاقل الأكراد بعد معارك ضارية نجحت وحدات حماية الشعب الكردية فى صد الهجوم وطرد الميليشيات الداعشية المدعومة من تركيا التي كانت دباباتها تقف موقف المتفرج مما يرتكبه التنظيم الإرهابي بحق أهالي المدينة على مدار أكثر من 4 أشهر دام فيها القتال.   

فشل داعش فى سحق الأكراد فى مدينة كوباني، رغم ارتكابه مجازر بحق المواطنين الكرد فى المدينة، دفع الجيش التركي لتغيير استراتيجيته من الحرب بالإنابة لمرحلة التدخل المباشر، حيث أطلقت أول عملياتها العسكرية فى سوريا فى صيف 2016 بعد أيام قليلة من فشل ما يسمي بالمحاولة الانقلابية على نظام أردوغان.

التدخل العسكري

في أغسطس 2016، أطلقت تركيا عملية عسكرية سمتها "درع الفرات" بالاشتراك مع ميليشيات سورية مسلحة موالية لها في المناطق التي كانت وقتها خاضعة لسيطرة تنظيم "داعش"، لتستولي على جزء من الشريط الحدودي الممتد بين جرابلس في الشرق واعزاز من الغرب ومنطقة الباب إلى الجنوب.

كما أطلقت تركيا فى يناير 2018 عملية عسكرية جديدة فى أسمتها غصن الزيتون استولت بموجبها على مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية بشمال سوريا .

وبعد أكثر من عملية عسكرية أصبحت تركيا تحتل بشكل واضح أكثر من 1000 بلدة مجموع مساحتها 8835 كم² .

وبحسب تقارير دولية فقد تسبب الاحتلال التركي فى تهجير حوالي 300 ألف كردي من عفرين، ومصادرة ممتلكات الآلاف منهم، إلى جانب قتل المئات لمجرد أنهم أكراد.

تتريك وتغيير ديموغرافي

دخول تركيا لمدن جرابلس وعفرين والباب ترافق مع إجراءات تتريك للمدينة، حيث افتتحت مؤسسة البريد التركية، فرعًا رسميًا لها في المدينة السورية، كما أقامت وزارة الصحة التركية مستشفى سُمّي باسم المدينة، ورُفعت عليه لوحة تحمل شعار وزارة الصحة التركية والعلم التركي وعبارة «الجمهورية التركية – وزارة الصحة – مشفي جرابلس» وفق ما ذكرت مواقع تركية رسمية عديدة .

كما انتشر على مواقع التواصل مقطع فيديو مصوّر لعناصر شرطة «سورية الحرة» التي أشرفت تركيا على تدريبهم ونشرهم في جرابلس، ظهر فيه قائد الشرطة يهتف لأردوغان وتركيا ومئات العناصر يردّدون خلفه تلك الشعارات. وهو أمر راق للإعلام التركي، فقامت مختلف محطات التلفزة والمواقع الإلكترونية التركية ببثّه.

وكشف أحد المنشقين عن قوات درع الفرات ويدعى "محمد جاسم الحسن" أن تلك المجموعات يقصد "درع الفرات" أحضرت عددًا كبيرًا من عائلات الأوزبك والتركمان إلى المنطقة، بدلًا من الكرد والعرب، كما بدأت المدارس تقديم دورات لتعليم اللغة التركية بهدف إحداث تغييرات ديموغرافية جذرية هائلة لطمس الهوية الكردية لتلك المناطق واتخامها بنازحين سوريين، وخاصة من التركمان القادمين من المناطق السورية المنكوبة الأخرى.

وفي تصريحات صحفية كشف، عبد الناصر نهار، مدير منظمة فرساي لتلاقي الثقافتين العربية والفرنسية،أن سيناريوهات التتريك تمت بشكل كبير في العديد من المناطق شمال سورية، بهدف تكريس الانفصال عن أراضي الجمهورية العربية السورية حينما تكون الفرصة مواتية إقليميًا ودوليًا لأنقرة.

وأكد أن تركيا قادمت باستبدال أسماء معظم الشوارع والأحياء بأخرى عثمانية، وفرض التعامل باللغة والليرة التركيتين، وبشكل خاص في مدن "الباب" و"عفرين" و"جرابلس" و"اعزاز" و"أخترين" و"مارع" و"رأس العين" و"تل أبيض".

كما تم افتتاح كلية للعلوم الطبية ومعهد تابعين لجامعة إسطنبول في بلدة الراعي بريف حلب الشمالي، وجلب موظفين وعناصر أمن أتراك لتقديم خدمات الصحة والبريد والصرافة والهاتف والمياه والكهرباء وغيرها من المستلزمات المعيشية واللوجستية، بهدف إجبار من يتعامل معهم على تعلم اللغة التركية.

أردوغان والميثاق الملي

وختاما نقول.. هل يصدق عاقل أن ما تقدمه تركيا من خدمات وما تفتتحه من هيئات وكيانات بمدن الشمال السوري يهدف لخدمة السوريين حبًا فيهم أم أن الأمر له أبعاد أخرى تتعلق بالمصلحة التركية انطلاقًا من الأيدلوجية العثمانية التي يعتقدها الرئيس التركي أردوغان وفق منظور الميثاق الملي الذى يعتبر أن معظم مدن سوريا والعراق جزء من تركيا العظمي التي يجب استعادتها؟! فهل تكون الولاية الجديدة لأردوغان حال فوزه بالانتخابات بداية لتطبيق الميثاق الملي على أرض واقع وتكرار سيناريو لواء إسكندرون أم ينجح العرب والكرد فى تجاوز خلافاتهم وحماية أراضيهم من الغول العثماني.. هذا ما ستجيب عنه الأيام.

 ــــــــــــــــــــــ

* كاتب وباحث متخصص فى الشؤون التركية والكردية

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.