قبل نحو أسبوع من الذكرى السنوية الأولى لوفاتها، قدمت عائلة مهسا أميني نفسها إلى الناس، وأعلنت العائلة عن أنها تود الحداد على قبر "مهسا"، وأن أقاربها سيقيمون مراسم تقليدية لإحياء الذكرى، فيما تخضع السرة بأكملها للمراقبة من قوات الأمن منذ عام، وتحديدًا منذ 18 سبتمبر/أيلول 2022 حتى الآن.
ولا تراقب قوات الأمن العائلة فقط، بل يراقبون العديد من المقابر في البلاد لمنع الحشود، حيث قد يؤدي ذلك بسرعة إلى احتجاجات مثل العام السابق. وتريد القيادة الإيرانية منع ذلك. وتتعرض عائلات الضحايا لضغوط هائلة.
ونقلت وكالة "رويترز" عن شهود وجماعات حقوقية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، قولهم إن قوات الأمن الإيرانية انتشرت في مسقط رأس الشابة مهسا أميني، تحسبًا لحدوث اضطرابات في الذكرى الأولى لوفاتها.
وقال ناشط في إيران للوكالة إن "هناك وجود مكثف لقوات الأمن في سقز"، في إشارة إلى مسقط رأس أميني في إقليم كردستان بغرب البلاد. وأفاد ناشط آخر بأن حشدًا صغيرًا من المتظاهرين ردد شعارات مناهضة للحكومة قبل أن يتفرق بسرعة.
رعب في قلب الملالي
تحدثت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن انتشار قوات أمنية في عدة مدن، خاصة داخل كردستان. ونقلت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن سكان في "سقز" قولهم إن السلطات وضعت كاميرات مراقبة جديدة في أنحاء المدينة لمراقبة المتظاهرين وتحديد هوياتهم.
وقالت شيفا نزار أهاري الناشطة الإيرانية في مجال حقوق الإنسان: "لم نشهد من قبل هذا النوع من الاعتقالات واسعة النطاق لأفراد عائلات الضحايا". وشيفا نزار أهاري هي عضوة اللجنة الإيرانية لحقوق الإنسان، وتم اعتقالها مرارًا وتكرارًا على مدى العقود القليلة الماضية وقضت عدة سنوات في السجن. وهي تعيش حاليًا في سلوفينيا.
وأضافت أهاري: "حتى الآن، تم اعتقال أكثر من 40 من أقارب الضحايا. وعدد الاعتقالات يتزايد كل يوم". "الناشطون السياسيون والاجتماعيون إما في السجن، أو يتم استجوابهم أو تهديدهم. وربما تمنع هذه الأساليب مؤقتًا المزيد من الاحتجاجات".
واعتبرت الناشطة الحقوقية، أن هذه الاحتجاجات قد غيّرت وجه المجتمع الإيراني بشكل دائم، وأن أحد أهم التغييرات يتعلق بالمظهر الجديد للمرأة في الأماكن العامة. وعلى الرغم من الإجراءات العقابية الأكثر صرامة مثل الغرامات، ترفض العديد من النساء ارتداء الحجاب الإلزامي. إنهن يعتبرن الحجاب رمزًا للقمع والإذلال المنهجي ولم يردن اتباع القواعد المرتبطة به.
ورغم ذلك، وافق البرلمان الإيراني في 22 أغسطس/آب الماضي على قانون مثير للجدل، من شأنه أن يفرض عقوبات أكثر صرامة على انتهاك قواعد اللباس الإسلامي. وتشمل هذه الأحكام ما يصل إلى 15 عامًا في السجن بسبب انتهاكات متعددة. كما يعد نشر صور النساء بدون حجاب على الإنترنت جريمة جنائية أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن فرض حظر السفر على المتهمين. ويهدد القضاء بإغلاق محلات السوبر ماركت والمطاعم والمتاحف التي تسمح بدخول النساء غير المحجبات.
ووفقًا للقانون، إذا تم إهانة النساء المحجبات، يبقى مرتكب الجريمة وراء القضبان لمدة ستة أشهر ويتلقى 74 جلدة. وبهذه الطريقة، يحاول من هم في السلطة دق إسفين في صفوف الشعب.
"أوهام الملالي" مستمرة
كان من المفترض أن تضع هذه الاحتجاجات نظام الملالي أمام سؤال مفصلي، يتعلق باستمراريته وبقائه سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، خاصة أن الظاهر من أداء هذا النظام هو الفشل الذريع في تقديم الحلول المطلوبة للأزمات المتراكمة التي تعانيها هذه القطاعات، نتيجة سياسات فوقية لا تنظر إلى ما يحدث داخل المجتمع والحراك الاجتماعي من تحولات وتغييرات، ربما يتجاوز تأثيرها المظاهر الخارجية أو التعبيرات السلوكية اليومية، إلى ما هو أبعد من ذلك، ويلامس البنية الثقافية والعقائدية للمجتمع الإيراني.
من جهته، يؤكد المحلل السياسي حسن فحص، أن "منظومة السلطة في إيران ما زالت تقف في المنطقة التي رسمتها لنفسها منذ عام 1979، والقائمة على رفض تقديم أي مؤشرات جدية، تشير إلى إمكانية إحداث تحول في أسلوب تعاملها مع القوى السياسية في الداخل الإيراني".
لذلك، عمدت أجهزة النظام إلى التصعيد مع بعض الأحزاب الإصلاحية، في وقت هي أحوج ما تكون لإعطاء هامش حرية لهذه القوى والأحزاب، للعب دور في تهدئة الشارع واستيعاب الحراك الاحتجاجي، من خلال منحها مساحة لفتح حوار مع الأجيال الشبابية، التي ربما تجد لغة مشتركة بينها لا تزال متاحة لتفاهمات قد تمنع الغرق في مواجهات مفتوحة، لن تُبقي في حال انفجرت على أي من الأطراف، سواء تلك الممسكة بالسلطة والمتفردة بها، أو تلك التي تحمل خطابات إصلاحية لا تشكل تحديًا جذريًا لمنظومة السلطة الحاكمة.
وحتى قبل وقوع الاحتجاجات، لم يقدم مسؤولو نظام الملالي استراتيجية واضحة تعبر عن مستقبل نظامهم السياسي، في عهد شهد العديد من التحولات السياسية الدولية والإقليمية، بل والداخلية أيضًا. والسبب في ذلك هو أن السلطة السياسية الإيرانية التي تقودها قوى دينية محافظة، تؤكد على استمرار مقولات الخصوصية الإيرانية ومبادئ الثورة الإيرانية والمجتمع الإيراني ذو الأغلبية الشيعية، التي تعتبرها السلطة وسيلة لجمع الإيرانيين حولها منذ ثورة عام 1979.
من جهة ثانية، يقول الأكاديمي العراقي الدكتور حمد جاسم الخزرجي، إن "أي دراسة أكاديمية لمستقبل النظام السياسي لا يمكن أن تتم من خلال دراسة النصوص الدستورية، أو شكل النظام السياسي فقط، لأنها ستتسم حينئذ بالشكلية والمظهرية. إنما يجب أن تتعداه إلى فحص واقع وعمل المؤسسات السياسية الرسمية، والقوى غير الرسمية، ودراسة المتغيرات الداخلية والخارجية المؤثرة فيه، وصولًا للانطلاق نحو المستقبل، وبيان السيناريوهات والاحتمالات المستقبلية لبقاء النظام الإيراني، من عدمه".
وتتجه توقعات المراقبين في أغلبها إلى مرحلة تشدد قد تعيد النظام إلى سنواته الأولى، لاسيما لو انتهى الأمر إلى اختيار "مرشد بالوراثة"، حيث تتجه أنظار الكثيرين إلى مجتبى خامنئي لخلافة والده، والذي يستشعر المحتجون في إيران خطورة صعوده، بكل خلفياته التي تجعل منه قائدا ميلشياويًا عسكريًا أكثر منه قائدًا دينيًا، وكل ذلك يضع إيران على أعتاب مرحلة جديدة يصعب على أي مراقب التنبؤ بمآلاتها المستقبلية.
ومهما يكن من أمر، فإن الاحتجاجات هي حلقة في سلسلة يمكن أن تنتهي مستقبلًا بتغيير النظام، أو على الأقل رؤوسه وقادته، لاسيما أن هناك تزامنًا لا يجب إغفاله بين هذه الظروف الداخلية المعقدة، وبين التقارير الموثوقة التي تتحدث عن تدهور صحة المرشد الإيراني علي خامنئي بشكل يجعل احتمالات وفاته وشيكة، يغلّف "الحالة الإيرانية" بالغموض، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية لن تمر دون حدوث صراعات كبرى في البلاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- عام على وفاة مهسا أميني ـ كيف غيرت الاحتجاجات الوضع في إيران؟ مستقبل النظام في إيران، موقع البلاد، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022.
2- النظام الإيراني وأزمة الخروج من دائرة الخطر، موقع إندبندنت عربية، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
3- أي تأثير للاحتجاجات الراهنة على النظام الإيراني؟، موقع إيلاف، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2022.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية