لم يكن اليمن عبر تاريخه الطويل، كيانًا هشًّا بطبيعته كما تحاول بعض السرديات الحديثة أن تُصوّره، بل كان على الدوام ساحة صراع بين مشروع الدولة الجامعة وقوى التفكيك التي غذّتها العصبيات الداخلية والتدخلات الخارجية. إن فهم ما يجري في اليمن اليوم لا يمكن فصله عن مفهوم مركزي في دراسات الصراع المعاصر، هو «تفكيك الدول من الداخل»، والذي أصبح أداة مفضلة في إدارة الأزمات الإقليمية بدل حلّها.
في هذا السياق، لا يمكن اعتبار مشاريع التقسيم في اليمن نتاجًا عرضيًا للحرب، بل هي مسار تراكمي ممنهج، له جذور تاريخية، وأطر فكرية، وأدوات تنفيذ واضحة، تشترك فيها قوى محلية ووكلاء إقليميون ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ «حروب الوكالة متعددة المستويات».
تعود البدايات المؤسَّسة لتقسيم اليمن إلى القرن التاسع عشر، حين تعاملت بريطانيا مع الجنوب اليمني بوصفه موقعًا استراتيجيًا لا كيانًا وطنيًا، فبدلاً من بناء إدارة موحّدة، اعتمدت سياسة الكانتونات السياسية عبر إنشاء عشرات السلطنات والمشيخات، في تطبيق حرفي لمبدأ "فرّق تسد».
هذا النموذج لم يكن إداريًا فقط، بل هندسة سياسية مقصودة تهدف إلى:
وهو النموذج ذاته الذي أعادت القوى الإقليمية إنتاجه بصيغ حديثة بعد 2015
.
في التحليل المعاصر، لم تعد مشاريع التقسيم تعتمد على إعلان دول جديدة مباشرة، بل على ما يُعرف بـ«التفتيت الوظيفي للدولة» أي:
وهذا ما حدث في اليمن بوضوح، حيث لم يُلغَ اسم الدولة لكن:
منذ عام 2015 تحوّل الصراع في اليمن من حرب لاستعادة الدولة إلى حرب إدارة الفراغ، ومع الوقت أصبح لكل طرف:
ما يعني عمليًا الانتقال من دولة واحدة متنازَع عليها إلى دول أمر واقع غير معلنة.
وهنا يظهر مفهوم «اليمن الكانتوني»:
تكمن خطورة تفكيك اليمن في موقعه الجغرافي إذ يشرف على:
لذلك فإن أي مشروع تقسيم لا يُقرأ داخليًا فقط، بل كجزء من إعادة هندسة الممرات الاستراتيجية، حيث تصبح الكيانات الصغيرة:
أحد أخطر نتائج التفتيت هو تآكل مفهوم الدولة الوطنية لصالح:
وهنا تتحول القوى المحلية من فاعلين وطنيين إلى:
«وكلاء نفوذ يؤدون أدوارًا تتجاوز حدود الجغرافيا التي يسيطرون عليها».
في مقابل هذه المشاريع، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الإقليمي الأكثر تمسكًا بوحدة اليمن، ليس فقط بدافع أمني، بل انطلاقًا من قناعة استراتيجية مفادها:
أن يمنًا مفككًا يعني فوضى دائمة على حدود الجزيرة العربية.
لذلك ارتكز الموقف السعودي على:
ما يجري في اليمن اليوم ليس أزمة حكم، بل أزمة كيان، ومشاريع التفتيت، سواء رُفعت تحت شعار المظلومية أو محاربة الحوثي أو حماية الجنوب، تصب في نتيجة واحدة: يمن ضعيف، مجزأ، قابل للاشتعال الدائم.
ومن هنا، تأتي هذه السلسلة لتفكيك أدوار الشخصيات المحورية في هذا المسار، بدءًا من عيدروس الزبيدي، وصولًا إلى طارق محمد صالح، بوصفهما نموذجين مختلفين لأداة واحدة زهي، إعادة إنتاج التقسيم بأدوات محلية.
(يتبع)
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية