مخاوف من «حرب أهلية» في إيران

- 30 ديسمبر 2022 - 416 قراءة

وزير الخارجية الإيراني يتهم إسرائيل وأجهزة الاستخبارات الغربية بالتخطيط لتقسيم البلاد

 

نسبة كبيرة من المعتقلين بسبب الاحتجاجات هم من أبناء وأقارب وأهالي النخبة الحاكمة

 

كل المؤشرات تؤكد أنه حال استمرار الاحتجاجات فليس أمام "الحرس الثوري" إلا مواجهتها بقوة السلاح

 

فيما تدخل الاحتجاجات الشعبية في إيران شهرها الرابع، اتجهت ردود فعل مسؤولي النظام الإيراني إلى التصرف بطريقة هيستيرية، تعكس تنامي القلق على مستقبل النظام، حيث اتهم حسين أمير عبد اللهيان، وزير الخارجية الإيراني، مؤخرًا، (إسرائيل) وأجهزة الاستخبارات الغربية بالتخطيط لتقسيم البلاد والتحريض على اندلاع "حرب أهلية".

"عبد اللهيان"، كتب على صفحته الشخصية في موقع تويتر أن "أجهزة أمنية متعددة و(إسرائيل) وبعض السياسيين الغربيين الذين وضعوا خططًا لنشوب حرب أهلية وتدمير وتفكيك إيران، يجب أن يعلموا أن إيران ليست ليبيا أو السودان. اليوم، الأعداء يستهدفون سلامة إيران وهويتها الإيرانية، لكن حكمة شعبنا أحبطت خطتهم".

من جانبه، قال اللواء حسين سلامي، قائد "الحرس الثوري" إنّ "إيران تشهد اليوم مؤامرة كبيرة ضد شعبها يتصدرها مخدوعون أصبحوا صدىً للأعداء في الداخل لإثارة الفتن".

وأضاف سلامي، أنّ "أعداء إيران توجهوا اليوم نحو حرب الشهداء"، مشيرًا إلى أنّ "كل شياطين العالم اجتمعت ضد إيران وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والكيان الصهيوني وغيرهم".

مؤشرات خطيرة

وفق المراقبين، فإن انتقال بعض كبار مسؤولي النظام إلى الحديث عن فكرة "الحرب الأهلية" وتقسيم البلاد، يشير إلى وجود مؤشرات خطيرة في هذا الصدد، ويؤكد أن هناك مخاوف حقيقية لدى الملالي من هذا السيناريو وارد الحدوث، ليس بسبب توافر دعم خارجي له، ولكن جراء السياسات الداخلية التي ينتهجها النظام ضد الأقليات من أبناء الشعوب الإيرانية.

ومن المعلوم أن النظام يتجاهل تمامًا اعتبارات التعددية العرقية التي تتسم بها التركيبة الديموغرافية للشعوب الإيرانية، لاسيما أن الاثنيات غير الفارسية تمثل نحو نصف تعداد سكان البلاد تقريبًا، وأن التموضع الجغرافي لهذه الاثنيات يجعل من الصعب حدوث التجانس العرقي بينها.

وما يضاعف من خطر نشوب الحرب الأهلية، أن النظام لا يسعى لتعزيز سياسات التعايش، بل يعمق فكرة الانقسام الداخلي باستهداف أقليات معينة، وتأليب القوميات ضد بعضها البعض، مع طغيان الطائفية السياسية على البلاد بشكل يضع جميع السكان في مواجهة ضغوط شديدة وقابلة للانفجار، بسبب غياب حقوق الأقليات وسياسات التهميش والقمع.

تصدير الأزمة للخارج

جاء ذلك، فيما تحدثت تقارير موثوقة عن انقسامات داخل النظام الإيراني، حول سبل التعامل مع الاحتجاجات، لاسيما أن العنف والقمع يولد المزيد من الغضب، ولا يسهم في احتواء الشباب، الذين يمثلون عصب هذه الاحتجاجات، بل إن بعض التقارير تؤكد أن نسبة كبيرة من المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، هم من أبناء وأقارب وأهالي النخبة الحاكمة في إيران.

ويرى المحلل السياسي سالم الكتبي، أن هذه الشواهد تعكس قلقًا متزايدًا لدى النظام الإيراني، وأن الأحداث لم تلامس بعد حدود الاستقرار واستعادة زمام الأمور خلال أمد منظور، والمهم في ذلك هو أن النظام الإيراني يمكن أن يتجه إلى محاولة صرف الأنظار وتصدير الأزمة للخارج، عقب افتعال أزمة أو أزمات خارجية لمحاولة شق صف المعارضين، والسعي لإثبات سيناريو "المؤامرة الخارجية"، واستغلال الفرصة لوأد الغضب الشعبي المتصاعد.

وفي ظل الجوع والفقر والفساد، وعدم القدرة على توفير ما من شأنه أن يحسن الأوضاع الاقتصادية، بل على العكس من ذلك تمامًا، يحذر المحللون من أن إيران قد تشهد حربًا أهلية طاحنة، جراء تفاقم الأوضاع الداخلية، وبالتالي إشعال نيران الغضب الشعبي، التي سيظل يشتعل مرة بعد أخرى، حتى يُنهك "الحرس الثوري".

وفي المقابل، لن يقبل "الحرس الثوري" أن تنهار الثورة التي تشرب عقديًا الذود عنها وحراستها، وسيحاول قطعًا إخمادها مهما كان الثمن؛ لذلك فإن كل المؤشرات الموضوعية تشير إلى أنه حال استمرار الاحتجاجات، فليس أمام "الحرس" إلا مواجهتها بقوة السلاح.

وبينما تتصاعد أعمال العنف المسلح من كلا الجانبين، المحتجين ورجال الشرطة المدعومين بقوات "الباسيج"، يؤكد أوميد ميماريان، المحلل البارز في شؤون إيران لدى منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» (دون)، أن "قوات الأمن الحكومية هي من يبادر إلى العنف، لكن عددًا متزايدًا من الأشخاص يقومون بالرد، ويحاولون الدفاع عن أنفسهم".

ويضيف ميماريان، أن "استراتيجية الحكومة تمثلت في خلق بيئة من الخوف والرعب كي يعود الناس إلى بيوتهم. فهم يستخدمون العنف في الشارع وعقوبات قاسية من خلال القضاء لوقف الاحتجاجات، لكن ذلك النهج كثف غضب وسخط الشعب".

فيما قال الباحث المستقل مارك بيروز، إن "الهجمات على قوات الأمن على دراجات نارية، وضرب مشاغبين لقوات الباسيج ورشق عناصر شرطة بالحجارة، يذكرني بالمرحلة الأولى للحرب الأهلية في سوريا".

وأضاف: "ليس لدينا معلومات كافية بعد حول ما يجري في إيران فيما يتعلق بإطلاق النار في إيذة وأصفهان، معتبرًا أن ذلك «أمر ينبغي متابعته عن كثب، في الأيام المقبلة".

إلى ذلك، يتوقّع المحلل الأمريكي الدكتور مايكل روبين، الباحث في "معهد أمريكان إنتربرايز"، أن تواجه إيران 3 سيناريوهات في حال أدت الاحتجاجات الراهنة إلى سقوط نظام ولاية الفقيه الذي يقوده المرشد علي خامنئي، وهي الحرب الأهلية والديكتاتورية العسكرية والتحول المدني.

وذكر روبين، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأمريكية أن "الحرس الثوري" يسيطر على نحو 40% من اقتصاد البلاد، كما يحتكر الأسلحة، وهو مؤهل لملء أي فراغ. وليس من المحتمل أن تجعل أي ديكتاتورية عسكرية إيران حليفًا للولايات المتحدة.

وافتراض تخلي "الحرس الثوري" عن أيديولوجيته، أمر لا يمكن توقعه، إذ إنه يتم إعداد بعض كبار قادته منذ عمر التاسعة أو العاشرة، عند التحاقهم ببرامج بعد المدرسة ترعاها قوات الباسيج شبه العسكرية.

كما تبدو الحرب الأهلية واردة أيضًا، ففي كل لحظة تقريبًا من لحظات ضعف الحكومة المركزية الإيرانية، كان هناك تمرد من جانب الأقليات العرقية والطائفية على طول حدود إيران، وهو ما يعني احتمالية نشوب اقتتال داخلي في البلاد.

من جهة ثانية، يرى بعض المراقبين أن هناك سيناريوهيّن محتمليّن لتطور الاحتجاجات الشعبية في إيران: الأول، أن يفلح النظام في قمع التظاهرات، وهو الاحتمال الراجح. غير أن الشروخ على بنية النظام ستكون واضحة، وسيخسر الرئيس إبراهيم رئيسي معنويًا وشعبيًا في كل الحالات.

أما السيناريو الثاني، المحتمل، فهو أن تستمر الاحتجاجات لفترة طويلة مقبلة. وفي هذه الحالة، ستتجاوز معاني التظاهر لتصبح اعتراضًا على وجود النظام ذاته، وستكون تداعياتها خطيرة على مشروعية نظام الملالي بكل أجنحته.

في المقابل، فإن النظام الإيراني مركّب، ولا تتحكم فيه دائرتان في الحكم أو دائرة واحدة على طريقة الدول العربية، بل هو نظام له دوائر وتحالفات متعدّدة، كما أنّ لدى نخبته القدرة على إعادة الاصطفاف، لاحتواء أي غضب قد يهدد بنية النظام القائم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- هل يشعر ملالي إيران بالقلق على مستقبل النظام؟، موقع إيلاف، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

2- مستقبل الاحتجاجات في إيران، موقع العربي الجديد، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2022.

3- طهران: "إسرائيل" ومخابرات غربية تخطط لتقسيم إيران وإشعال حرب أهلية، موقع الميادين، 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.