شريف عبد الحميد يكتب: في الذكرى الـ 9 لرحيله... إرث مام جلال الذي لن يندثر

- 5 أكتوبر 2026 - 172 قراءة

تقاس مكانة الرجال في التاريخ بما يبقى من أفكارهم ومواقفهم بعد رحيلهم، لا بحجم المناصب التي تقلدوها. وبهذا المعيار يطرح الرئيس جلال طالباني الذي رحل في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2017 عن ثلاثة وثمانين عاماً سؤالاً يستحق التأمل: لماذا ما زال حاضراً بعد تسع سنوات في خطاب أبنائه وحزبه وحتى خصومه أيضاً؟ والجواب فيما أرى أنه ترك خمسة موروثات لا تنتهي بانتهاء صاحبها وهي: موروث الفكرة وموروث الجسر وموروث الدولة وموروث المثال وموروث الكلمة.

1

 

موروث الفكرة

 

وُلد جلال طالباني عام 1933 في قرية كلكان، على سفح جبل كوسرت المطل على بحيرة دوكان، ولقبه أقرانه وهو في مراهقته بـ«مام» أي العم، فلزمه اللقب حتى صار اسمه في ذاكرة الكرد. وبدأت علاقته بالسياسة قبل أن يبلغ سن الرشد. ففي عام 1946 وهو في الثالثة عشرة من عمره، أسس بتوصية من أحد معلميه جمعية سرية سميت «جمعية تنمية القراءة»، وانتخب رئيساً لها. وفي السنة التالية صار عضواً في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي عام 1951 وهو في الثامنة عشرة انتخب عضواً في اللجنة المركزية، ثم المكتب السياسي عام 1954.

غير أن الاختبار الأكبر لم يأتِ إلا بعد عقدين من الزمن. ففي 11 مارس/آذار 1970 وقعت اتفاقية الحكم الذاتي بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بوساطة سوفييتية، وكان دور طالباني لافت في ترتيب هذه الوساطة، وعاد بعدها إلى كردستان العراق. لكن الاتفاقية لم تصمد طويلاً حيث انهارت الحركة الكردية بعد خمس سنوات في مارس/آذار 1975 بعد أن أوقف شاه إيران دعمه لها. وفي تلك اللحظة التي ينكسر فيها المشروع، رأى طالباني أن الوقت قد حان لتوجه جديد للحركة وللمجتمع الكردي، فأسس عام 1975 مع مجموعة من المثقفين والناشطين الاتحاد الوطني الكردستاني.

ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود، فقد روى في مذكراته خلافه مع مصطفى البارزاني وتأسيسه العصبة الماركسية اللينينية ثم عصبة شغيلة كردستان (كومله). وفي أغسطس/آب 1977 عاد بنفسه إلى كردستان العراق لقيادة العمل العسكري فاصطدمت تحركاته بالقطب الآخر في الحركة الكردية. وهذا ينبهنا إلى أن الرجل أعاد تعريف نفسه وتنظيمه وأكد الفكرة التي ورثناها عنه وهي أن الهزيمة لا تكتب نهاية الحركات الحية بل تدفعها إلى التجديد.

2

 

موروث الجسر

 

آمن جلال طالباني بأن القضية الكردية لا تحل بالعزلة والانزواء، فسافر عام 1957 إلى موسكو وسوريا والتقى هناك كرداً سوريين، وبعد عودته ترأس تنظيم «خبات كردستان» السري في السليمانية، وقد سعى في تلك السنوات إلى كسب تأييد القاهرة والعواصم العربية لقضية شعبه.

وفي أواخر الستينيات حين تحول من جبهات القتال إلى النشاط الثقافي في بغداد، أصدر كتابه «كردستان والحركة القومية الكردية»، والذي رأى فيه أن الجهل بحقائق كثيرة عن كردستان وحركة شعبها التحررية، وعدم طرح القضية الكردية طرحاً تقدمياً وقف عائقاً أمام تفاهم الأمتين العربية والكردية. فهو لم يرَ الجسر مجاملة سياسية بل مهمة معرفية بأن يعرف العرب الكرد كما هم.

ولم يقف جسر التواصل عند العرب، فقد كان له دور في الحوار بين الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال وحزب العمال الكردستاني بين 1991 و1993 في محاولة لحل القضية الكردية. وحين انتخب رئيساً للعراق عام 2005 أصبح أول رئيس غير عربي للبلاد فجسد بنفسه الفكرة التي حملها عقوداً طويلة بأن يكون الكردي في قلب الدولة العراقية لا خارجها.

3

 

موروث الدولة

 

عاد طالباني بعد حرب الخليج عام 1991 إلى كردستان ليشارك في قيادة الانتفاضة والتي تشكلت بعدها عام 1992 حكومة إقليم كردستان، والتي تعد أول تجربة حكم ذاتي فعلي للكرد. ولم تكن التجربة بلا أزمات، فقد اندلع بين حزبه الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني صراع مسلح في منتصف التسعينيات، وانتهى باتفاق واشنطن عام 1998 بوساطة أمريكية، ثم تواصل مسار المصالحة حتى إعلان توحيد الإدارتين في أربيل والسليمانية.

وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 دخل مجلس الحكم الانتقالي وترأسه في نوفمبر/تشرين الثاني من تلك السنة، وفي أبريل/نيسان 2005 انتخبه البرلمان رئيساً للجمهورية فبلغ بذلك مكاناً لم يبلغه زعيم كردي قبله وأُعيد انتخابه مرة ثانية عام 2010.

4

 

موروث المثال

 

وللرجل موروث أقل صخباً وضجيجاً وأبقى أثراً وهو سلوكه حين يُختبر المبدأ. فقد أعلن وهو رئيس منتخب للعراق أنه لن يوقع حكم الإعدام على الرئيس السابق صدام حسين، رغم جرائم النظام السابق ضد الكرد وتحمل في سبيل ذلك انتقادات حادة، ولكنه رسخ صورة سياسي يرفض أن يجعل من السلطة أداة ثأر ضد خصومه.

ويحسب لهذا السلوك أنه جاء ممن يستطيع أن يكسب تصفيقاً واسعاً بغيره، فاختار ما رآه مبدأً، وفي ذلك يتحول الإرث من سيرة إلى قدوة.

5

 

موروث الكلمة

 

وإذا أردنا أن نفهم لماذا لم يكن طالباني سياسياً بالمعنى الضيق فعلينا أن نبدأ من الكلمة. فقد جمع منذ شبابه بين العمل التنظيمي والعمل الصحفي والثقافي، فتتلمذ على القراءة في جمعيته السرية، وصار محرر مجلتي «خبات» و«كردستان»، وتولى رئاسة تحرير مجلة «كردستان» بعد أن أغلقت السلطات مجلة «خبات»، وكان يكتب مقالاته بأسماء مستعارة، مثل «آگر» و«پيروت».

ولم تخل الكلمة من دفع الثمن، فقد صدرت بحقه مذكرة اعتقال بعد مقال أيد فيه البارزاني في وجه حملة رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، فاضطر إلى العودة إلى السليمانية. وفي أواخر الستينيات حين انتقل من جبهات القتال إلى النشاط الثقافي في بغداد عمل في تحرير جريدة «النور» وأصدر كتابه «كردستان والحركة القومية الكردية»، الذي ناقش فيه أسباب إخفاق الحركات الكردية من منظور تقدمي وأحال بعضها إلى العشائرية والاعتماد على قرارات الدول الكبرى، وهكذا ظلت الكتابة في حياته أداة للتفكير في القضية لا مجرد وسيلة للدعاية.

أما اليوم فتواصل «مؤسسة الرئيس جلال طالباني» هذا الجانب، إذ تشرف على مشروع المؤلفات الكاملة له، إلى جانب أرشفة مذكراته وتنظيم المؤتمرات العلمية عنه، وحين تتحول كتابات طالباني إلى أعمال كاملة تُحقق وتدرس يكتسب إرثه بعداً لا تمنحه المناصب.

6

 

من السليمانية... شهادة على إرث حي

 

عدتُ للتو من السليمانية رفقة وفد مصري رفيع المستوى يتقدمه السفير شريف شاهين، والدكتور حسن أبو طالب، والدكتور جمال عبد الجواد، والعميد خالد عكاشة، والإعلامي عادل الفخراني. وجاءت الزيارة بدعوة من السيد قوباد جلال طالباني، نائب رئيس وزراء إقليم كردستان، الذي التقى الوفد ودار حوار مفتوح تناول صورة السليمانية وسياسة الاتحاد الوطني وموقع الإقليم في معادلات المنطقة. ثم انتقل الوفد إلى صفوة مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية والتوثيقية في المدينة، فجمعته بها لقاءات وحوارات وتوقيع مذكرات تفاهم. وهكذا بدت الزيارة جسراً للتواصل العربي-الكردي، ما يؤكد أن إرث مام جلال في الانفتاح على العقل العربي ما زال حياً وقادراً على صنع شراكات جديدة.

 

لماذا لن يندثر؟

 

لأن إرث مام جلال ليس مجموعة منجزات يمكن أن تُمحى، بل مجموعة أسئلة لا تنتهي في السياسة الكردية والعراقية وهي: كيف تنهض الحركات من هزائمها؟ كيف تُبنى الجسور بين القوميات؟ كيف ينتقل ثائر إلى رجل دولة دون أن يتخلى عن قضيته؟ كيف يتقدم المبدأ على المنصب؟ وكيف تبقى الكلمة سلاحاً وجسراً معاً؟

وما دامت هذه الأسئلة قائمة، فسيعود الناس إلى الرجل الذي حاول الإجابة عنها، فقد تُنكس الأعلام في الذكرى السنوية لكن الأفكار لا تُنكس.

رحم الله مام جلال رحمة واسعة.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.