مينا خانم قاضي... أمّ الكرد وزوجة الإمام الشهيد

- 4 مايو 2024 - 74 قراءة

عندما نذكر السيدة مينا قاضي؛ فإنَّ سيرتها الحَسنة في ظاهرها و جوهرها يسبقها، إذ ويلقبّونها في كردستان بالسيّدة الأمّ، التي تغنّى بها الشّعراء أمثال هيمن موكرياني و الذي وصفها " بنبع الحرّية الذي لم تدنسه يد الاستبداد" ،فالمرحومة مينا خانم ابنة أشراف مدينة موكريان المولودة عام ١٩٠٨، و من المساهمين بتأسيس جمهورية مهاباد عام ١٩٤٦ جنباً إلى جنب مع زوجها الشهيد الإمام قاضي محمد، فهي لم تكن مجرد زوجة، بل شريكة في النّضال، و التّحرر، و قلبٌ حنون اتسع لجميع أبناء كُردستان، فما قدمته من تضحيات و عطاءات شهد لها التّاريخ و أعطاها مكانة رفيعة و عظيمة و إرث قيّم لازالت أثاره في قلوب أحرار الكُرد .

وتزوجت مينا خانم وهي في التاسعة عشر من عمرها من الإمام الشهيد قاضي محمد وبدأت معه رحلة الحرّية من أغلال الطغيان السيّاسي والاجتماعي، فكان زوجها يحثّها على التّعلم بلغات مختلفة، وليس فقط لغتهم الأمّ الكردية، وكانا يدرسان الكتب والقواميس سويةً، ففي إحدى المقابلات ذكرت بأنّهما لم يحتاجا لمدرّسين بل كانا يعلّمان بعضهما البعض، إذ تعلّما العربية من القرآن الكريم، إلى جانب الانجليزية والفرنسية، وكانت تقرأ معه الكثير في الكتب السيّاسية والدّينية، حتى تشكلت لديها شخصية شجاعة ومفكّرة ولديها آراء تخدم مبادئ القضية، فبعد قيام جمهورية مهاباد ١٩٤٦سارعت لتأسيس "اتحاد النّساء الديمقراطي" مع نُخبة من النّساء المثقفات، والذي كان يُعنى بقضايا المرأة، أهمها حقها في التعليم والدراسة واختيار الزوج المناسب دون إجبار من أحد، ويجدر القول بأنّه في ذلك الوقت تحديداً، كان شيئاً جديداً على الشّعب أن يكون للمرأة حقوق سياسية، لكنّ مينا خانم كسبت دعماً كبيراً، فالشعب الكُردي بطبعه يحترم المرأة ويؤمن بقدراتها القيادية، إذ كانت مينا خانم سيدة أولى ومستشارة لكثير من الأمور الداخلية؛ حتى أنّها هي من اقترحت ألوان العلم الخاص بجمهورية مهاباد كردستان، فرغم الوقت القصير الذي لا يتعدى السنة في الجمهورية الكردية (مهاباد) تمكنت من إصدار مجلة "هلالة"،التي ترأستها ودعمتها من مالها الخاص، وكانت توجهها للنساء الكُرديات وغير الكُرديات، وتثقفهنّ وتمدهنّ بالأفكار التحررية، وتحثّهنَّ على العمل ومساعدة عائلاتهن ومجتمعهن والثقة بعقولهنّ، من خلال تقديمها محاضرات تفاعلية يتحدث بها النّساء مع بعضهنّ ويقرأن كلّ قانون وبند يصدره الحزب الديمقراطي الكُردستاني، ويناقشنه و يعدلنّ عليه، فالسيدة مينا شخصية آمنت بالنقد و التفكّر، و النظام الواضح و العادل الذي لا يُظلم فيه أيّ مخلوق .

وعند سقوط جمهورية مهاباد بعد وقت قصير لا يتعدى أحد عشر شهراً من  تأسيسها أُعدِم الإمام قاضي محمد، تاركاً وراءة أرملة صلبة وقائدةً أهلاً للثقة، وأمّ ليس فقط لسبع بنات وابن وحيد بل أمّ لجميع الكُرد، فعندما استشهد زوجها؛ ذكرت بأنها كانت تحترق من الداخل لكنّها كانت مُجبرة على الصمود والوقوف بقوّة، فكما قالت في إحدى مقابلاتها: أنا زوجة قائد جسور لا أظن بأنّه سيتكرر مرّةً أخرى، فحري بي أن أبقى قوية لا يهزني غدر خونة كردستان و أعدائها .

تابعت مينا خانم بمسار ثابت ومعنويات عالية أنشطتها التعليمية والسّياسية وكانت تتعرض على إثر إصرارها وعزيمتها للاعتقال المتكرر من قِبل النظام البهلوي ثمّ الجمهورية الإيرانية في إيران، واستمرا بسجنها و تعذيبها أشد التعذيب حتى عندما كانت في السبعين من عمرها، اعتقلها نظام الخميني لمدة عام كامل بتهمة تهديد أمن الدولة و التحريض . في محاولة بائسة لكسر كرامتها وإذلالها لتكون عِبرة لمن يحاول كسر القيود التي وضعها الطغاة في إيران، لكنّ أرملة الإمام لم تكن ضعيفة البتّة، فكلّما أفرجوا عنها زادت في عطاءاتها وتضحياتها حتى أنّها أنقذت عشرات الشّباب والشّابات الكُرد من حبال المشانق الملالية، وسطّرت برباطة جأشها مسيرة محترمة توجتها بالتقوى والاتزان، فهي قدوة حسنة لجميع أحرار وحرائر الكُرد وما قصّرت معهم بواجبها كزوجة القائد الشهيد.

 توفيت مينا خانم عام ١٩٩٨ في السويد ،بعد أن خسرت عينيها و أُنهِك جسدها بظلم الأعداء والخونة، وبقي نضالها معياراً للتحرر يحسب له التاريخ ألف حساب، وقبل وفاتها وصّت الكُرد بألّا يتفرقوا وأن يضعوا خلافاتهم جانباً، فهل يحتذي جميع الكُرد بوصية أمهم وهل تنتهي فُرقتهم يوماً ؟!

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.