كما أسلفنا، فإن تونس تعاني من عدة أزمات في البناء الدولتي التونسي على المستوى الكلي، مورثة عن نظام زين العابدين بن علي، أو مستحدثة نتيجة الانتقال الثوري بالدولة والمجتمع إلى مرحلة يعاد فيها تأسيس البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والهويتية، ما يشكل نوافذ اختراق عديدة يتيحها هكذا وضع، وتسمح للقوى الخارجية بالقيام بأدوار تدخلية.
ولعل من أبرز الأزمات الناشئة والمتعلقة بموضوع البحث، هو الاضطراب الهويتي المستحدث عقب الثورة، إذ طالما عزل نظام زين العابدين بن علي تونس عن محيطها العربي، دافعاً إلى ربطها ثقافياً بأوروبا عامة وفرنسا خاصة، ويظهر ذلك على المستوى الشعبي لناحية توسع استخدام اللغة الفرنسية على حساب العربية، ما أحدث تناقضاً هويتياً بين أصل المجتمع وتحديثه، لم يبرز إلا بعد الانفتاح الثوري على البيئة العربية وإعادة اكتشاف الذات.
دفعت الثورة التونسيين إلى محاولة تعويض ما فاتهم في المجال العربي، بتبني القضايا العربية الرئيسة، والمتعلقة بالموضوع الفلسطيني، وحيث أنّ الثورات العربية ما كانت قد أنجزت ذاتها بعد حتى تنجز خطاباً عربياً/قومياً جامعاً، فإنّ الفكر الذي تلقفه ثوريو تونس كان الفكر القومي الذي خلفته الأنظمة المتساقطة وخاصة نظام البعث الأسدي، بما فيه من إشكاليات تتناقض مع روح الثورة التونسية، لكنه الوحيد المتاح، في ظلّ حداثة العمل القومي التونسي، وعدم امتلاك خطاب بديل.
يتقاطع خطاب البعث الغوغائي مع الخطاب الأيديولوجي الإيراني، عن المقاومة ومحور الممانعة، متسلِّطاً على القضايا العربية ومجيراً إياها لصالح المشروع الفارسي الإمبريالي، وخاصة أنّه قام بالترويج لذاته باعتباره البديل عن المشروع الإسرائيلي الإمبريالي الآخر، في ظلّ غياب مشاريع عربية كلية.
هذا التبني للخطاب الإيراني، دفع النخب الثورية إلى الميل إلى إسناد نظام الأسد ومن خلفه إيران في مواجهة المجتمعات العربية، وبناء هوية تونسية عربية قابلة للاختراق ثقافياً من قبل إيران، في مواجهة خطاب أيديولوجي آخر - الإخوان المسلمون- وجد فيه التونسيون مشروعاً مضاداً للثورة الحديثة، فيما كان يشكل في حقيقة الأمر وجهًا آخر للسلطوية الدينية الإيرانية، بل وأداة إيرانية كذلك.
فاختيارهم لخطاب المقاومة الإيراني، وتفضيله على ما هو متاح من خطاب الإخوان المتمّم له، كان نتيجة أخرى لحالة الاندفاع الإخواني في عدد من دول الربيع العربي إلى الهيمنة على السلطة السياسية بعيداً عن منطق المشاركة، قبل أن تتمّ عقلنتها نسبياً في تونس، ما أوقع تلك النخب في تبني خطاب استبدادي لحظة إنشاء نظام حريات واسع، في حالة تناقض ثقافي كبرى. وهو ما سهّل المهمة الإيرانية في اختراق الثقافة الشعبية، سواء من خلال الإسناد التاريخي، أو عبر حملات إعادة تشكيل المجتمع هويّتياً من خلال توسيع حملات التبشير الشيعي، أو طرح المسألة الأقلوية في تونس. بمعنى آخر، فإن الحراك السياسي الإخواني في تونس أدى إلى تسريع الاختراق الإيراني للبنى الفكرية لدى النخب التونسية الموالية للنهضة والمناهضة لها على السواء. وقد أسهمت وسائل الإعلام المدارة من قبل الحرس الثوري في ترويج الخطاب الإيراني داخل تونس، وخاصة من خلال قناة الميادين التي يديرها التونسي-اللبناني فيصل بن جدو.
وقد ساعدت الثقافة الشعبية المتأثرة بالصوفية من جهة، وبالعبث التاريخي من جهة أخرى، على إيجاد بيئة قابلة لاستقبال نسخ مسيسة من الفكر الديني-القومي (الشيعي-الفارسي)، عبر الاشتغال على الموروثات الدينية التي غدت مسلّمات في الثقافة الشعبية، والتي تتقاطع مع الثقافة الفارسية، عبر تجييرها لصالح مشروع سياسي، ومنها طقوس عاشوراء وحب آل البيت.
وفيما عملت إيران ضمن المجال المشرقي على تغذية النزعات الأقلوية، خاصة لدى الشيعة والعلوية والأكراد في مواجهة الدولة العربية، عبر دعمها تحت غطاء ديني-قانوني، في وقت تعاني القوميات داخلها من اضطهاد كبير في الحقوق(3)؛ فإنّ تونس لا تشهد ذات البنيان الديموغرافي، أو التنوع العرقي-الديني فيها، ما يجعل إمكانية إحداث شروخ مجتمعية شبه معدومة مقابل تلك التي اشتغلت عليها إيران في المشرق العربي. فاتجهت نحو منحيين في ذلك: خلق أقليات في المجتمع التونسي (التشييع)، وتبني قضية الأقلية الأمازيغية.
حيث أحدثت بعض الدراسات الإيرانية، مغالطات تاريخية أخرى، بنسب الأمازيغ إلى العرق الفارسي في الأصل، وتعمل على نشر المذهب الشيعي في أوساطهم، وأدلجتهم بأنهم فئة مضطهدة مجتمعياً عرقياً ودينياً، وهو ما اشتغلت عليه في العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن، في سعي منها إلى تحويلهم إلى أداة تدخلية مستقبلاً، كما حصل في تلك الدول.
وحيث إنّ نسبة الأمازيغ في تونس تقل عن 1% من مجموع السكان، بما لا يكفي لإحداث شروخ مجتمعية، فإنّ إيران عمدت إلى خلق هوية تصادمية يمكن لها أن تحقق ذلك، من خلال إعادة بناء هوية المجتمع التونسي عبر توسيع حملات التبشير الشيعي، عبر منحيين:
- تشييع بؤر جغرافية أشبه بالكانتونات، تكون متطرفة عن المركز، تشكل فيما بعد شريطاً جغرافياً-ديموغرافياً متكاملاً.
- تشييع بؤر منفصلة داخل الدولة، تتميز بنخبويتها السياسية والثقافية، تعمل على اجتذاب الأطراف.
اقرأ أيضًا:
تمدد الإمبريالية الإيرانية إلى تونس: الإسنادات والأدوات وما بعد الترسيخ (1)
تعود محاولات تشييع المجتمع التونسي إلى مرحلة الثمانينيات، مع انطلاق مشروع خميني في نشر الثورة الإيرانية في المحيط العربي، عبر شخصيات تونسية من أبرزها التيجاني السماوي وعماد الدين الحمروني، اللذين تلقيا دعماً كبيراً من خميني. وتنتشر الحركة الشيعية خاصة في جنوب تونس في مدن قابس وقبلي، ومن أبرز جمعيات التشييع التونسية "المودة الثقافة الشيعية"، ولا يمكن تحديد عدد المتشيعين بدقة، إلا أنهم ما زالوا في طور المئات أو الآلاف فقط.
ووفق دراسة صدرت في كتاب بعنوان: "حلم الشيعة: مملكة فاطمية في الشمال الأفريقي"، لمؤلفه محمد مختار، فإنّ إيران اكتشف قدرات على استخدام ديانة الشيعة في قلب أنظمة الحكم بالدول العربية التي كانت تئنّ تحت سيطرة ديكتاتوريات عربية في هذا الوقت لإحياء الدولة الفاطمية ضمن مخطط لتأسيس شريط فاطمي يعتنق الديانة الشيعية في المنطقة الممتدة من غزة في فلسطين وحتى المغرب. وأشارت الدراسة إلى أنّ إيران استغلت التربة المواتية للتشيع في تونس بالنظر إلى أنّ تونس كانت مهداً للدولة الفاطمية تاريخياً، وأسست مراكز للتشيع في مناطق مختلفة من تونس خاصة جنوب البلاد في فترة الثمانينات مع ظهور حركة ما يسمى: "المسلمون السائرون على خطى الإمام". حيث شهد جنوب تونس حركة تشييع واسعة، عبر التخفي خلف المذهب الشافعي خلال حقبة الثمانينات للتسرب وسط قطاعات من طلاب الجامعات في تونس بالرغم من المعارضة الرسمية والشعبية لظهور الديانة الشيعية في تونس. خاصة مع قيام إيران بدعم الجمعيات والمؤسسات التي تخفّت خلف الأعمال الخيرية والأنشطة الثقافية لنشر دين الشيعة بين التونسيين. ورصدت الدراسة قيام إيران بالعمل على تكريس إدخال تركيبة مذهبية جديدة في تونس وليبيا المجاورة لاستغلالها فيما بعد كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية لتونس ولأية دولة عربية أخرى بحجة حماية الأقلية الشيعية(4).
ووفقاً للمحامي التونسي أحمد بن حسانة "قمنا في نيسان/إبريل 2012 بالإعلان عن تأسيس الرابطة التونسية لمناهضة المدّ الشيعي، تزامناً مع زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى تونس وافتتاح أسبوع السينما الإيرانية. أردنا من خلال هذا التزامن أن نحدث رمزية باعتبار أنّ رابطتنا توجه أصابع الاتهام لإيران بنشر التشيع الجعفري في البلدان العربية السنية، وتونس منها، عبر مخطط يقوم على رصد الأموال وتجنيد الأشخاص ... إيران لن تتوانى عن تسليح هذه الخلايا النائمة متى دعا الأمر إلى ذلك لخلق الفتنة في إطار ما يسمى بتصدير الثورة الإيرانية"(5).
ويرى بن حسانة أنه لا يعوز الركيزة القانونية التي يستند إليها لمعارضة ومناهضة تسرب المذهب الشيعي إلى تونس ويقول "بقدر إيماننا وتمسكنا بحرية المعتقد واحترامنا لكل الأديان وإيماننا بقيم التسامح وحق الاختلاف، فإننا نعتبر من الخطر بمكان أن تعمل أطراف تونسية وبإيعاز من جهات خارجية على نشر المذهب الشيعي بيننا؛ نظراً لما يمثله ذلك من تهديد لأمن بلادنا واستقرارها، ومن شأنه أن يزرع فتنة طائفية بين ساكنيها كان شعبنا طيلة تاريخه بمنأى عنها، وسيؤول الأمر في النهاية إلى إغراق البلاد في دوامة من العنف والاحتقان"(6).
وقد صنّفت عدة تقارير إعلامية ومقالات نشرت عبر صحف ومواقع إلكترونية، تونس، بأنها من البلدان التي تشهد "حركة تشييع" سريعة وواضحة المعالم. إلا أنّ تلك التقارير والتحذيرات لم تجد لها آذاناً صاغية لدى كلّ من الإعلام الرسمي والخطاب الحكومي اللذان يؤكدان باستمرار أنّ الدولة لا تتدخّل في معتقدات وأديان المواطنين التونسيين المعروفين بتسامحهم واعتدالهم. إلا أنّ ذلك الصمت أو التجاهل لو صحّ التعبير يخفي صراعاً يدار في الخفاء بين المذهبين السنّي والشيعي ويمكن ملاحظته بجلاء عبر الشبكة العنكبوتية وخصوصاً عبر شبكة "الفيسبوك"، حيث توجّه الاتهامات باستمرار إلى دور "مشبوه" للسفارة الإيرانية في تونس على حدّ تعبير عدد من المشاركين في تلك النقاشات "المذهبية"، التي تدور رحاها بين سنة وشيعة لا يربط بينهم غير الجنسية التونسية المُشتركة، وما دون ذلك يبدو الاختلاف عميقاً وحاداً في أحيان عدّة(7).
وجدت إيران في الفكر الإخواني تقاطعاً كبيراً مع مصالحها الإمبريالية في العالم العربي، تستند إلى آليات توظيف الدين في خدمة المصالح السياسية، ما أدى إلى رعاية إيرانية لاحقة لتكتلات الإخوان المسلمين في كثير من الدول العربية، أولئك الذين وجدوا في ثورتها الخمينية منهاج عمل يسهم في تسريع وصولهم إلى السلطة، ونجد أن نشاطهم الحثيث عقب الثورات العربية –وإن لم يكلل بنجاح يذكر- إلا أنّه اتجه إلى مسار تأطير الثورات الشعبية بأطر إسلاموية تمنحهم السيطرة على المسارات السياسية الجديدة. كما أنّ الفكر الخميني ذاته كان قد انبنى على كثير من الأسس الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، والتي عادت وبنت عليه.
من ذلك ما قد أشار إليه رئيس حركة النهضة الإسلامية –فرع الإخوان في تونس- راشد الغنوشي إلى أن تطوّر المسار الفكري للحركة تاريخياً تأثر بالثورة الاسلامية في إيران والقيم التي بشرت بها وخاصة مبادئ "الانتصار للمستضعفين ومواجهة الظلم والاستكبار". وقد أبدى في كثير من كتاباته إعجاباً بالتجربة الإيرانية معتبراً إياها حركة التجديد الأكبر في التاريخ الإسلامي، بل وعمل على إعادة إنتاج الفكر الإخواني بناء على معطيات الثورة الخمينية. ويذهب الغنوشي إلى أبعد من ذلك، باعتبار إيران النموذج "الديمقراطي" الأنسب، فيما تعاني إيران من أزمات سياسية هويتية تنذر بامتداد الربيع العربي إليها في السنوات المقبلة.
وكان الغنوشي قد أكد في أحد كتبه أنّ "هناك دلائل كثيرة على تطور الثورة الإسلامية الإيرانية وانتصارها المشرق في التاريخ الحديث للحركة الإسلامية"، مشيراً إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين حسن البنا وآية الله الكاشاني، الزعيم السابق للحركة الإسلامية الإيرانية، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، حيث وضعا برنامجاً للتعاون والتنسيق لقيام الدولة الإسلامية وتأييدها من الجميع في أيّ مكان تقوم فيه. ويعتبر الغنوشي أن حركة "فدائيان الإسلام" بقيادة نواب صفوي في إيران كانت امتداداً لفكر الإخوان المسلمين (وهذا ما يفسر التعاون الوثيــق بين إيران وحركة النهضة في تونس) (8).
وحيث تواجهه حركة النهضة مناهضة شعبية داخل تونس، عمدت إلى الالتقاء مع تيارات سياسية أخرى، وبخاصة القومية، من خلال التقاطع المشترك في دعم حزب الله اللبناني ومشروع إيران في المشرق العربي "المقاومة والممانعة"، عبر تبني الطرفين ذات الأطروحة الإيرانية، وتأييد حزب الله ومن خلفه إيران ونظام الأسد. وهو ما أعطى الحركة مجالاً للمناورة داخل النخب التونسية اليسارية والقومية، فيما عمل حزب الله على إسناد حركة النهضة وخاصة من خلال حضوره لمؤتمرها عام 2012 في تونس، ليتم توظيف ذلك، من خلال الترويج النشط لمشروع التشييع في تونس.
هذا العلاقة العضوية بين حركة النهضة –الإخوان المسلمون- وإيران، أدت في المحصلة إلى تعزيز مواقف الطرفين سياسياً، وأسهمت في دعم الحركة وتحصينها داخلياً، مقابل توسيع الامتداد الإيراني إلى تونس، وترسيخ البنى الفكرية والمجتمعية له.
ما بعد الترسيخ الإيراني في تونس:
يمكن وصف المرحلة الأولى من النشاط الإيراني في تونس، بمرحلة ترسيخ الحضور الإيراني، وهو أمر تشتغل عليه إيران في البيئات المستهدفة، وفق عملية طويلة المدى، تراكمية، ذات وتيرة منخفضة لا يمكن ملاحظتها في المراحل الأولى. أي أن العقلية الفارسية عقلية تمتاز باشتغالها الاستراتيجي طويل المدى، وليست معنية بالحصول على مكاسب آنية غير مضمونة الاستمرار. وهو النهج الذي شهدنا تأسيسه في العراق وسورية ولبنان، قبل إحكام السيطرة على مفاصل تلك الدول، وهو ما نشاهده في حالات دراسية عديدة، ليس اليمن وحيداً فيها، بل سبقتها السودان ودول إفريقية متعددة –جنوب الصحراء- ودول في آسيا وأمريكا اللاتينية.
لذا، فإن عملية الاشتغال الإيراني في تونس، وإن كانت مهمة شاقة لغياب كثير من مقوماتها، كتلك التي في المشرق العربي، إلا أن مؤشراتها تظهر بين الفينة والأخرى، للمتابعين للشأن الإيراني. ولسنا بصدد استعراضها، بقدر ما نحن مهتمون بتصنيفها، لتبيان النمط العام للعقل الفارسي المشتغل بالشأن العربي، والتونسي ضمناً. وهنا يمكن أن نسجل التنميط التالي، وهو الحرص الإيراني على الاشتغال وفق ثلاثة مستويات متوازية، تسير معاً:
- الأول: علني رسمي واضح، لا يشوبه تشكيك، يندرج ضمن إطار العلاقات الدبلوماسية الودية مع الدول المستهدفة. وقد لاحظنا ذلك في أسميناه مرحلة التأسيس للحضور. وإن كان هذا الاشتغال لا يخلو من أدوات يتم من خلالها محاولة الإيقاع بالجانب الرسمي (الحكومي المستهدف)، كما سنرى لاحقاً.
- أما الآخر، فهو اشتغال غير رسمي، أو شبه رسمي، حيث تحرص إيران على الحضور في المناسبات الشعبية والثقافية، والتواصل مع نخب وشخصيات حكومية، ولكن خارج الأطر الرسمية، وهو تأسيس موازٍ لسابقه.
- أما الاشتغال الثالث، فهو اشتغال غير معلن، ولا يمكن ملاحظته، أو التدليل عليه بصورة واضحة، إلا عبر أدلة غير مكتملة، يبقى التشكيك فيها أمراً سهلاً، وهو اشتغال منوط به بناء الحواضن الشيعية من جهة، وربما العسكرية من جهة ثانية، عبر أذرع متعددة، أهمها حزب الله، المنوط به الاشتغال على هذا التأسيس عربياً.
ووفقاً لهذه المسارات الثلاث، يمكن أن نضع السلوكيات الإيرانية المتفرقة فيها، حتى نتدارك الصورة الأعم –طويلة المدى التي يشتغل عليها الإيراني، في تونس خصوصاً، وفي كافة البيئات المستهدفة عموماً. ومن ذلك مثلاً:
- الإشادة بتونس، وبقيادتها، وحضور كافة المناسبات الرسمية والشعبية، وتكريم شخصيات تونسية حكومية أو شعبية، وتصدير ذلك عبر الإعلام الإيراني، الناطق بالعربية خصوصاً، لإظهار مدى التقارب الرسمي والشعبي، وصولاً إلى محاولة تصوير تونس كحليف أو صديق مقرب من إيران.
- ويظهر هنا خطاب الحرص على تونس، وأحياناً يكون أشبه بالخطاب الاستعلائي الوصائي الغربي، من خلال توجيه الحكومة التونسية لما "يجب أن تفعله"، وهذا يظهر على سبيل المثال، في تعليق المتحدث باسم الخارجية الإيرانية على أحداث صيف عام 2021 في تونس.
- في ذات السياق، سنلحظ محاولة اقتطاع تونس عن بيئتها العربية، من خلال زرع أسافين تفريق هويتي وسياسي، وإن اضطر الأمر، لتصوير تونس على أنها تميل إلى جانب إيران في قضايا الشرق الأوسط، أو أنها تتبنى وجهة النظر الإيرانية المعادية للعرب. وهنا نستذكر التصريحات الإعلامية التي ظهرت على وسائل إعلامية إيرانية ناطقة بالعربية، حول موقف الرئيس السابق: باجي قائد السبسي، من إيران، واعتبارها حامية العرب من إسرائيل، في نيسان/إبريل 2017، والتي نفتها تونس وبشكل رسمي.
القضية الفلسطينية مدخل إيراني في تونس:
وفق ما تقدم، يمكن لنا أن نبرز ثلاثة تيارات سياسية رئيسة في تونس، بعد الحدث الثوري، وهي:
- تيار الإسلام السياسي، المتمثل بشكل رئيس في حركة النهضة، والتي كانت في مقدمة القوى التي اشتغلت مع إيران، وكانت قريبة منها على المستوى الفكري-السياسي، وعلى المستوى التنظيمي، بل ويمكن القول إنها كانت مدخلاً رئيساً لإيران في البيئة التونسية.
- تيار تقليدي، هو امتداد ثقافي للبيئة الثقافية ما قبل الثورية، تمثلت في مرحلة ما بشخص الرئيس السابق: السبسي، ومجموعة العمل التي كانت معه. وحاول هذا التيار الحفاظ على حد أدنى من العلاقات مع إيران، لكن وفق الشكل السابق، بمعنى عدم الانجرار إلى علاقات مضادة للمصالح العربية، أو مناهضة للعمل العربي المشترك.
- أما التيار الثالث، فهو تيار هجين من قوى يسارية، وقومية، وقومية جدية ما بعد ثورية، تحاول أن تنشأ خطابها على خطابات سياسية موروثة من فترات ماضية، تقوم على مركزية القضية الفلسطينية وحدها، باعتبارها أنها هي القضية العربية، دون الالتفات إلى بنية الإشكاليات العربية كافة.
- في وقت لم تستطع القوى الشبابية ما بعد الثورية، بلورة تيار مستقل عن التيارات السابقة.
بالعودة إلى التيار الثالث، شكّل اندفاعه غير المتوازن نحو تبني خطاب "القضية الفلسطينية"، كما مرّ سابقاً، مدخلاً بالغ الأهمية لإيران، وهنا نقصد بالخطاب غير المتوازن، أننا نؤكد من جهة على أهمية القضية الفلسطينية كقضية إنسانية أولاً، وعربية وإسلامية وهويتية، لكن مع التأكيد في ذات الوقت، على ضرورة الانتباه إلى التوظيف السياسي الذي يجري باسم "المقاومة والممانعة"، والذي تم من خلاله تدمير عدة دول عربية طيلة العقد الماضي، وحتى تاريخه، وهو المحور الذي تشرف عليه إيران بشكل مباشر، بل وتقوده إما مباشرة عبر فيلق القدس وأذرعته، أو عبر ميليشياتها الطائفية الممتدة في العالم العربي، أو عبر قوى محلية يتم الالتقاء معها من خلال أدلجة القضية الفلسطينية.
سيظهر ذلك في بعض سلوكيات الرئيس التالي: قيس سعيد، حيث شكلت هذه الخلفية الثقافية لديه، نقطة تقارب مهمة مع إيران، أو مع حلفائها في العالم العربي، رغم انتقالاته السياسية غير المتوازنة من جهة إلى أخرى، إلا أن ذلك لم يمنعه من الحفاظ على مسافة قريبة مما يسمى بـ "محور المقاومة والممانعة"، وما يترتب على ذلك من انحيازات سياسية مضادة للتوجهات العربية.
ختاماً، ما يزال المشروع الإمبريالي الإيراني قيد التوسع تجاه بيئات عربية جديدة، يسنده في ذلك أسس فكرية مشوّهة يشتغل على ترويجها، ضمن قائمة أدوات واسعة في قوته المرنة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة توظيف قوته الصلبة في ترسيخ هيمنته، وهي مرحلة لاحقة لمدّ النفوذ، تتواءم مع معطيات أزموية دفعت إليها إيران عبر استغلال الإشكاليات الداخلية.
دون أن يعني ذلك حتمية البناء الإمبريالي الفارسي، وسقوط العالم العربي بأسره في قبضة النظام الملالي، فكل تمدّد جديد للاستراتيجية الإيرانية، يبقى بمثابة عبء غير قادرة على إدارته كما فعلت في المشرق العربي، إذ تبقى قدراتها السياسية والعسكرية والمالية واللوجستية محدودة أمام اتساع الفضاء العربي، رغم ما تدفع به من أدلجة لهذه المجتمعات.
كما أنّ أوضاع الداخل الإيراني الاقتصادية والقومية تشكل بدورها عامل ضغط انفجاري في طور التبلور، ينذر باندلاع أزمات هويتية تصادمية مع المركز الفارسي داخل إيران، كنتيجة حتمية لاستبدادية النظام السياسي وفرض الهوية الشمولية على الأقليات الأخرى، في عملية تفاعل إقليمي بين إيران ومحيطها المتفجر أساساً، إذ أنّ ارتداد العسكرة التي أقامتها في العراق وسورية خاصة، ستطال بدورها العمق الإيراني، وهو ما يقوض البناء الإمبريالي المتسع، ويقضي على أدواته لاحقاً، وخصوصاً مع انهيارات اقتصادية ومعاشية لم يعد بالإمكان إصلاحها، أو على الأقل تحتاج إلى سنوات وربما عقود حتى تخرج إيران من مستوى الأزمة المتفجرة بالغة الخطورة، وهو أمر يشكل عائقاً كبيراً أمام مشاريعها الخارجية.
وإلى أن يتم ذلك، فإنّ كثيراً من البيئات العربية معرضة لكافة أشكال الاختراق الإيراني، وخاصة الاختراق الهويتي، في ظل اضطراب إشكالي في الهوية العربية، غذّته الثورات العربية، التي ما تزال تفتقد إلى خطاب بنائي للهوية العربية بعيداً عن التداخلات الإقليمية (وخاصة الدينية منها)، وبعيداً عن الخطاب المستهلك للأنظمة الديكتاتورية المتساقطة، حيث ما تزال هوية المجتمعات العربية أسيرة للأدلجة الخارجية أو للنمط الفكري الذي ثارت عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
3- للاطلاع على قضايا حقوق القوميات في إيران، انظر: عبد القادر نعناع، "صراع الهويات في إيران: بين الهوية الكلية والهويات الفرعية"، 23/10/2013، مركز المزماة للدراسات والبحوث
http://almezmaah.com/ar/news-view-3058.html
4- "دراسة: إيران دعمت نشر الديانة الشيعية في تونس للتدخل في شؤونها الداخلية"، موقع النبأ الإخباري الدعوي، 31/7/2012: http://www.ennaba.com
5- لمياء المقدم، "التشيع في تونس وعلاقته بإيران"، 12/6/2012، ميدل ايست أونلاين:
http://www.middle-east-online.com/?id=133028
6- المرجع السابق.
7- "شيعة تونس ورقة تستغلها إيران"، موقع البينة:
http://www.albainah.net/index.aspx?function=Item&id=30438&lang
8-"إيران هامش الإخوان المسلمين للمناورة بعيداً عن أعين الأمريكان والإنجليز”، صحيفة العرب اللندنية، العدد 9065، 30/6/2014، ص 13.
9- للمزيد حول هذه الحرب، انظر: عبد القادر نعناع، “ضرورات الحرب الإيرانية-العراقية ودورها في المشروع الفارسي”، 12/8/2014، مركز المزماة للدراسات والبحوث: http://www.almezmaah.com/ar/news-view-6399.html
10- للاطلاع على المزيد، انظر: عثمان العكاك، “العلاقات بين تونس وإيران عبر التاريخ”، موقع إيران والعرب: http://iranarab.com/Default.asp?Page=ViewArticle&ArticleID=581
11- للاطلاع على قضايا حقوق القوميات في إيران، انظر: عبد القادر نعناع، “صراع الهويات في إيران: بين الهوية الكلية والهويات الفرعية”، 23/10/2013، مركز المزماة للدراسات والبحوث
http://almezmaah.com/ar/news-view-3058.html
12- "دراسة: إيران دعمت نشر الديانة الشيعية في تونس للتدخل في شؤونها الداخلية"، موقع النبأ الإخباري الدعوي، 31/7/2012: http://www.ennaba.com
13- لمياء المقدم، "التشيع في تونس وعلاقته بإيران"، 12/6/2012، ميدل ايست أونلاين: http://www.middle-east-online.com/?id=133028
14- المرجع السابق.
15- "شيعة تونس ورقة تستغلها إيران"، موقع البينة:
http://www.albainah.net/index.aspx?function=Item&id=30438&lang
16- "إيران هامش الإخوان المسلمين للمناورة بعيداً عن أعين الأمريكان والإنجليز"، صحيفة العرب اللندنية، العدد 9065، 30/6/2014، ص 13.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية