فاتورة الموت: تجارة الجثامين والابتزاز السيادي في شرق كوردستان

- 9 فبراير 2026 - 102 قراءة

حين يصبح الكفن غنيمة

​في الجغرافيا المنسية لشرق كوردستان (روجهلات)، لا ينتهي القمع بإطلاق الرصاصة؛ بل يبدأ فصل جديد من التنكيل يتجاوز حدود الحياة ليصل إلى الجسد المسجى. إن تقارير "سرقة الجثامين" من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية ومساومة العائلات المكلومة على مبالغ خيالية لاسترداد جثث أبنائهم، لا تمثل مجرد جريمة جنائية عابرة، بل هي "سياسة دولة" ممنهجة توظف الموت كأداة للتركيع السياسي والابتزاز المالي في آن واحد. إنها مرحلة ما بعد القتل، حيث يُعامل الجثمان كرهينة تُقايض بالمال.

​المحور القانوني: انتهاك "حرمة الموتى" والقانون الدولي

​من الناحية القانونية الدولية، تصنف هذه الممارسات تحت بند "المعاملة اللاإنسانية والمهينة"، وهي خروقات جسيمة تتعدى التشريعات المحلية لتصطدم بالضمير العالمي:

  • ​الحق في الكرامة المتأصلة: تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن كرامة الإنسان قيمة مطلقة لا تنتهي بموته. إن احتجاز الجثة ومساومة ذويها مالياً يُعد انتهاكاً صارخاً للمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية، فالفقد بحد ذاته تعذيب، والمساومة عليه تعذيب مضاعف.
  • ​العقاب الجماعي الممنهج: إن إجبار الأهل على دفع مبالغ خيالية (تتجاوز أحياناً 30 ألف دولار تحت ذرائع واهية مثل "ثمن الرصاص" أو "تكاليف الحفظ") هو شكل من أشكال العقاب الجماعي. تهدف السلطة هنا إلى معاقبة الحاضنة الاجتماعية والأسرة على مواقف الابن السياسية، وهو فعل محرم دولياً في كل النزاعات والظروف.
  • ​الحق في ممارسة الشعائر والحداد: منع العائلات من وداع أبنائهم ودفنهم وفق شعائرهم الدينية والوطنية يمثل انتهاكاً لحرية المعتقد والحق في الخصوصية الثقافية. إن الاستيلاء على الجثمان هو استيلاء على "حق الذاكرة" ومحاولة لمحو أثر الضحية من الوجود الجغرافي.

​المحور السياسي: الموت كاستراتيجية للضبط والترهيب

​لا تتحرك السلطات الأمنية بدافع الجشع المالي فحسب، بل تستخدم "احتجاز الجثامين" كآلية سياسية مدروسة:

  • ​تفتيت الرمزية النضالية: تدرك السلطة أن الجنازة في الوجدان الكوردي ليست مجرد طقس وداعي، بل هي تظاهرة سياسية وتجديد للعهد. لذا، تسرق الجثامين لتمنع تجمع الآلاف، محاولةً تحويل "الشهيد" من رمز ملهم إلى ملف سري يُدفن في مكان مجهول.
  • ​الاستنزاف المالي لبيئة المقاومة: بطلب مبالغ تعادل ثروات ضخمة في مناطق تعاني من تهميش اقتصادي وفقر مدقع، تهدف الدولة إلى كسر إرادة العائلات وإغراقها في الديون والفقر، لخلق حالة من الردع الاجتماعي تجعل من "الثمن المادي" للمواقف السياسية عائقاً أمام الشباب.
  • ​إخفاء أدلة التعذيب: في كثير من الأحيان، يكون احتجاز الجثة وسرقتها وسيلة لإخفاء آثار التنكيل والتعذيب التي تعرض لها المعتقل قبل وفاته، مما يقطع الطريق أمام أي محاولات قانونية دولية لتوثيق الجرائم.

​المحور الاجتماعي والوجداني: المقابر المنزلية وصرخة الصمت

​أي قهر يتجاوز قدرة الروح على الاحتمال، حين يضطر الأب لحمل جثة ابنه المسجاة بالدماء، ليخفيها عن أعين الشرطة ويدفنها في فناء الدار أو تحت بلاط الغرف؟

​هذا الفعل "الدفن المنزلي" هو قمة التراجيديا البشرية؛ إنه تحويل "البيت" الذي هو رمز للأمان إلى "مدفن"، ورمز لعدم الثقة المطلق في مؤسسات الدولة التي تحولت من حامية للأمن إلى "لصة جثامين". إن العائلات التي تختار دفن أبنائها في المنازل تعلن للعالم أن باطن الأرض في الخارج لم يعد آمناً من نبش الطغاة، فباتت القبور تُحفر داخل الصدور والجدران.

​إن "لصوص الجثث" لا يسرقون اللحم والعظم فقط، بل يحاولون انتزاع "حق الوداع" و"لحظة الحزن الأخيرة"، وهي أبسط الحقوق التي عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة.

​حين تصبح الجثة قضية رأي عام

​إن صمت المجتمع الدولي والمنظمات الأممية عن هذه "التجارة بالموت" في روجهلات هو وصمة عار وتواطؤ غير مباشر. إن تحويل جسد الإنسان بعد رحيله إلى "سلعة مقايضة" هو انحدار قيمي وأخلاقي غير مسبوق، يجب أن يُجابه بتحرك قانوني دولي لتصنيف هذه الأفعال كجرائم ضد الإنسانية.

​ستبقى تلك القبور المنزلية شواهد حية على حقبة من الظلم، وسيبقى الكوردي يحرس جثمان ابنه حتى في مماته، مؤمناً بأن الجسد قد يُسرق، لكن القضية التي مات من أجلها تظل حرة، تأبى الدفن أو البيع أو المقايضة.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.