في الجغرافيا المنسية لشرق كوردستان (روجهلات)، لا ينتهي القمع بإطلاق الرصاصة؛ بل يبدأ فصل جديد من التنكيل يتجاوز حدود الحياة ليصل إلى الجسد المسجى. إن تقارير "سرقة الجثامين" من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية ومساومة العائلات المكلومة على مبالغ خيالية لاسترداد جثث أبنائهم، لا تمثل مجرد جريمة جنائية عابرة، بل هي "سياسة دولة" ممنهجة توظف الموت كأداة للتركيع السياسي والابتزاز المالي في آن واحد. إنها مرحلة ما بعد القتل، حيث يُعامل الجثمان كرهينة تُقايض بالمال.
من الناحية القانونية الدولية، تصنف هذه الممارسات تحت بند "المعاملة اللاإنسانية والمهينة"، وهي خروقات جسيمة تتعدى التشريعات المحلية لتصطدم بالضمير العالمي:
لا تتحرك السلطات الأمنية بدافع الجشع المالي فحسب، بل تستخدم "احتجاز الجثامين" كآلية سياسية مدروسة:
أي قهر يتجاوز قدرة الروح على الاحتمال، حين يضطر الأب لحمل جثة ابنه المسجاة بالدماء، ليخفيها عن أعين الشرطة ويدفنها في فناء الدار أو تحت بلاط الغرف؟
هذا الفعل "الدفن المنزلي" هو قمة التراجيديا البشرية؛ إنه تحويل "البيت" الذي هو رمز للأمان إلى "مدفن"، ورمز لعدم الثقة المطلق في مؤسسات الدولة التي تحولت من حامية للأمن إلى "لصة جثامين". إن العائلات التي تختار دفن أبنائها في المنازل تعلن للعالم أن باطن الأرض في الخارج لم يعد آمناً من نبش الطغاة، فباتت القبور تُحفر داخل الصدور والجدران.
إن "لصوص الجثث" لا يسرقون اللحم والعظم فقط، بل يحاولون انتزاع "حق الوداع" و"لحظة الحزن الأخيرة"، وهي أبسط الحقوق التي عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة.
إن صمت المجتمع الدولي والمنظمات الأممية عن هذه "التجارة بالموت" في روجهلات هو وصمة عار وتواطؤ غير مباشر. إن تحويل جسد الإنسان بعد رحيله إلى "سلعة مقايضة" هو انحدار قيمي وأخلاقي غير مسبوق، يجب أن يُجابه بتحرك قانوني دولي لتصنيف هذه الأفعال كجرائم ضد الإنسانية.
ستبقى تلك القبور المنزلية شواهد حية على حقبة من الظلم، وسيبقى الكوردي يحرس جثمان ابنه حتى في مماته، مؤمناً بأن الجسد قد يُسرق، لكن القضية التي مات من أجلها تظل حرة، تأبى الدفن أو البيع أو المقايضة.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية