• العقوبات الأمريكية أفضت إلى أزمة اقتصادية خطيرة.. وقلّصت قدرة إيران على مواصلة دعم الميليشيات التابعة لها
• الولايات المتحدة تسعى بالتعاون مع حلفائها إلى تبني استراتيجية إقليمية واسعة لاحتواء وإضعاف «محور المقاومة»
• «المحور» يعاني مسببات تفككه وانهياره بسبب تباعد المصالح السياسية بين إيران وبعض شركائها الإقليميين
• (إسرائيل) من أقوى المناوئين لنفوذ طهران.. وتنتهج لنفسها طريقة لتقويض هذا النفوذ باستهداف العمق الإيراني
• إدراج مجموعة العمل المالي «فاتف» إيران ضمن «القائمة السوداء» يحد من قدرتها على الارتباط بالبنوك في الصين وروسيا
• تركيا ترى أن تمدد نفوذ إيران الإقليمي يهدد مصالحها.. وخاصة إنشاء خطوط لنقل النفط والغاز الخليجي إلى أوروبا
• دول الخليج عبرّت عن رفضها إخلال إيران بالتوازن الإقليمي بطرق مختلفة.. وسعت لإنشاء «محور سني» بمساعدة تركيا
يواجه ما يُسمى «محور المقاومة» الذي كونّته إيران على مدار العقود الماضية في المنطقة، عددا من «تحديات البقاء»، على رأسها العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، والتي أفضت إلى أزمة اقتصادية خطيرة، وقلّصت من قدرة إيران على مواصلة تقديم الدعم المالي واللوجيستي للمليشيات الشيعية التابعة لها.
ونذكر من تلك التحديات، التي ربما تؤثر على مستقبل وجود «محور المقاومة»، واستمرار تماسكه خلال المرحلة المقبلة، ما يلي:
الأول: ضعف التماسك مع بعض شركاء محور المقاومة:
إذ يعاني محور المقاومة من مسببات تفكك أوصاله وانهياره؛ فمنها ما يتعلق بتباعد المصالح السياسية بين إيران وبعض شركائها بهذا المحور مما أدى مثلا إلى ابتعاد مقتدى الصدر، وابتعاد حركة حماس النسبي عنها. ومنها ما يعود لضعف المنطلقات الأيديولوجية واختلاف المنظور السياسي للحكم بين السيستاني وخامنئي، الأمر الذي من شأنه أن يحدث انقساما بين الميليشيات العراقية. إلى جانب تراجع مستويات التعاون بين طهران وموسكو في سوريا؛ وتيقن طهران من أن الروس غالبًا ما يتخلوا عن حلفائهم بفعل تفاهماتهم مع الولايات المتحدة وحلفائها. ناهيك عن تعرض بعض المصالح الإيرانية للتراجع في سوريا بفعل تحسن علاقات دمشق مع محيطها العربية، في ظل احتاجها لإعادة الإعمار.
الثاني: تعرّض إيران لعقوبات صارمة:
من المعروف أن إيران تتعرض لعقوبات أمريكية وأوربية وأممية مختلفة، أفضت إلى أزمة اقتصادية خطيرة سوف تقلص من قدرتها على مواصلة دعم معظم المليشيات التابعة لها أو دفع مخصصاتها المالية. خاصة أن العقوبات الأمريكية، التي فرضها الرئيس السابق ترامب، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (8 مايو عام 2018م) قد ألحقت الضرر الأكبر بالاقتصاد الإيراني أكثر من أي إجراء آخر؛ سيما أنها شملت المؤسسات المنوطة بإدارة محور المقاومة، مثل الحرس الثوري الإيراني بوصفه منظمة إرهابية (8 أبريل 2019م) وهيئات الصناعات البحرية والجوية والطيران (15 يناير 2021م) والبنك المركزي الإيراني (20 سبتمبر 2019م) ومؤسسة المستضعفين (18 نوفمبر 2020) ومؤسسة الإمام الرضا، ولجنة تنفيذ أوامر الإمام (13 يناير 2021م) فضلا عن عدد من الشركات والمؤسسات ذات النشاط المتنوع، بوصفها كيانات داعمة وممولة للإرهاب والتنظيمات الإرهابية في المنطقة.
إلى جانب أن إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) إيران ضمن القائمة السوداء، في فبراير 2020، قد قلص أيضا من قدرتها على الارتباط بشبكة البنوك الرئيسية في الصين وروسيا، فضلا عن البنوك الصغيرة، الأمر الذي أدى إلى حرمانها من الحصول على الخدمات البنكية، ورفع تكلفة نقل الدولار من وإلى الاقتصاد الإيراني، وهو ما سوف يساعد إلى جانب العوامل الأخرى إضعاف محور المقاومة.
الثالث: رفض الأطراف المناوئة لنفوذ إيران الإقليمي
يمثل رفض الأطراف المناوئة لاستمرار النفوذ الإيراني على هذا النحو المخل بتوازن القوى في المنطقة، تحديا ملموسا أيضا؛ خاصة أن الولايات المتحدة تقف على رأسها، إذ تسعى بالتعاون مع حلفائها إلى تبني استراتيجية إقليمية واسعة لاحتواء وإضعاف محور المقاومة في كل ركيزة من ركائزه بل وتدمير كل شركائه. ولكن مع حرصها على ضرورة وجود بدائل خشية أن يؤدي تقليص دعم إيران لحلفائها في سوريا والعراق واليمن مثلا، إلى خلق فرص جديدة لظهور داعش أو القاعدة مرة أخرى، أو أن يستغل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تراجع الحوثيين في اليمن لتوسيع دائرة نفوذه.
وتعد إسرائيل من أقوى المناوئين للنفوذ الإيراني وتنتهج لنفسها طريقة لتقويض هذا النفوذ باستهداف عمق الأمن القومي الإيراني، من خلال عمليات نوعية لتصفية علماء برنامجها النووي والصاروخي، وتدمير جانب مهم من منشآتها بمفاعل نطنز النووي، ومجمع بارچين العسكري، فضلا عن الهجمات السيبرانية التي عطلت عددا كبيرا من أجهزة الطرد المركزي، والسطو على أخطر وثائق البرنامج النووي والصاروخي. إلى جانب استمرار غاراتها الجوية التي تستهدف عناصر الحرس الثوري والمليشيات التابعة له بضربات عسكرية مؤثرة على الأراضي السورية.
أما دول الخليج العربية، فقد عبرت بقوة عن رفضها أيضا إخلال إيران بالتوازن الإقليمي بطرق مختلفة؛ فقامت بتسليح الجماعات السلفية في العراق وسوريا، وسعت لإنشاء محور سني بمساعدة تركيا لمجابهة محور المقاومة. كما سعت للإطاحة بنظام الأسد ودفع حماس بعيد عن إيران. حتى وقر في ذهن النظام في طهران أن الأمر قد وصل إلى درجة العمل على إنشاء محور سري يقوم على اتفاق غير مكتوب مع الكيان الصهيوني لمواجهة طهران، ومدها بمعلومات استخباراتية تتعلق بتنفيذ عملياتها العسكرية في اليمن.
ولكن التوافق العربي- الإسرائيلي على خطورة الدور الإيراني بالمنطقة، والاتفاق على التصدي له، كان هو الملفت أيضا، والذي جسدته "الاتفاقات الإبراهيمية"، التي أبرمت خلال الربع الأخير من 2020م، وتم بموجبها تطبيع علاقات بعض الدولة العربية، وعلى رأسها الإمارات والبحرين، مع إسرائيل. ومنحها صفة التواجد الرسمي على الشاطئ المقابل لإيران بمياه الخليج العربي، فيما يمكن أن يدخل ضمن عملية الإعداد لتطويق النفوذ الإيراني. وفي هذا الإطار قامت الولايات المتحدة بضم إسرائيل إلى قيادة المنطقة الوسطى سينتكوم المسئولة عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطي، بتاريخ 15 يناير 2021م، وذلك ضمن الامتداد الطبيعي للاتفاقيات الإبراهيمية، التي شرعت الأبواب لقيام حلف أمني إسرائيلي - عربي مضاد لإيران.
أما فيما يخص تركيا، بوصفها المنافس القوي لإيران، فترى أن تمدد نفوذ إيران الإقليمي يهدد مصالحها وطموحاتها الإقليمية، وخاصة طموحها نحو إنشاء خطوط لنقل النفط والغاز الخليجي إلى أوروبا عبر أراضيها، وهو أمر يمكن أن يضر بالاقتصاد الروسي والإيراني. خاصة أنه يتضمن إنشاء خط اتصال بري مباشر مع دول الخليج عبر الأراضي العراقية، مما يعني توصيل أوروبا بدول الخليج مباشرة. فضلا عن مشروع لمد خطوط أنابيب لنقل المياه من تركيا إلى دول الخليج وإسرائيل، والتي كانت تخطط تركيا أن تمر عبر العراق أو سوريا ثم الأردن، ومنها إلى دول الخليج العربي وإسرائيل. ولكنه لاقى معارضة عراقية وسورية، لأنه يقلل من حصص المياه لهذه الدول من نهري دجلة والفرات.
وأخيرا، تدرك إيران أن روسيا تستهدف تعظيم المردود السياسي والعسكري والاقتصادي لتواجدها بالشرق الأوسط، مع تقليص الفرص قصيرة المدى للجهات الفاعلة المتنافسة. وأن سياستها تسمح بمزيد من حرية العمل إلى الحد الذي يمكنها فيه تضمين الجهات الفاعلة المتنافسة مثل المملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل في سلة دبلوماسية خاصة بها. ومن ثم تمكنت من التعاون عسكريًا مع إيران، وأبرمت اتفاقيات عسكرية مع السعودية، وتبادلت المعلومات الأمنية والاستخباراتية مع إسرائيل
وفي ظل هذه التحديات التي فرضتها القوى الفاعلة الرامية إلى تطويق نفوذ إيران الإقليمي، ودفع المجتمع الإيراني نحو دائرة محاسبة النظام سياسيا بفعل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات. من المحتمل أن تظل إيران على المدى القريب عرضة للعوامل التالية، حتى تتم تسوية جميع القضايا الخلافية بين إيران المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، بما فيها قضية نفوذها الإقليمي:
- استمرار الضغوط عليها، بما يقلص قدرتها على مواصلة تقديم الدعم لمعظم المليشيات التابعة لها، أو دفع مخصصاتها المالية.
- تقويض المليشيات الموالية لإيران، وتكبيدها الخسائر المادية، والنيل من سمعتها بوصفها كيانات إرهابية.
- استمرار تردي سمعة المؤسسات الإيرانية على المستويات كافة، بوصفها موصومة بدعم وتمويل الجماعات الإرهابية بالمنطقة.
- تعميق مخاوفها الأمنية الناجمة عن زيادة وزن لتركيا وإسرائيل النسبي بمنطقة القوقاز، خصما من وزن إيران، وإكساب إسرائيل صفة التواجد الرسمي جنوبا على سواحل الخليج العربي؛ بموجب الاتفاقات الإبراهيمية، التي عززت مخاوفها من قيام ترتيبات أمنية إسرائيلي – خليجي مضادة لها، خاصة بعد ضم إسرائيل إلى قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية "سينتكوم".
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية