مصر والقضية الكردية: تحالف الوجدان في مواجهة رياح الإقصاء

- 9 فبراير 2026 - 6 قراءة

​في قلب التحولات الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط، تبرز القضية الكردية ليس فقط كقضية سياسية تبحث عن مآلاتها العادلة، بل كاختبار حقيقي للضمير الإقليمي. وبينما انزلق جزء كبير من الفضاء الإعلامي العربي نحو منزلقات "الشيطنة" وتشويه الحقائق، وقفت القاهرة، بمؤسساتها الفكرية وإعلامها الرصين ودبلوماسيتها الهادئة، لترسم خطاً فاصلاً بين "الأيديولوجيا العابرة" وبين "العدالة الإنسانية الراسخة".

​تشويه القضية: حين تتحول المنابر إلى سياط

​لقد شهدت الآونة الأخيرة موجة من التضليل الإعلامي الممنهج عبر قنوات عربية وإقليمية، سعت جاهدة لصبغ النضال الكردي بصبغة "الانفصالية" تارة، و"العمالة" تارة أخرى. هذا الخطاب لم يكن عفوياً، بل كان يخدم أجندات راديكالية تهدف إلى تبرير التوغل العسكري والتغيير الديموغرافي.

​في روجافا بالتحديد كوباني، و أيضاً حي الشيخ مقصود بحلب، تعرض الكرد لانتهاكات صارخة تحت شعارات دينية أو قومية متطرفة. واللافت أن تلك المنصات الإعلامية تجاهلت عمداً الصمود الكردي الأسطوري ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، وبدلاً من الاحتفاء بهذا الدور الذي حمى المنطقة برمتها، شرعت في "شيطنة" الوجود الكردي وتصويره كتهديد وجودي للهوية العربية، وهو طرح مغلوط يفتقر للعمق التاريخي والسياسي.

​المثقف المصري: حارس الحقيقة وصوت المستضعفين

​وسط هذا الضجيج الإعلامي المضلل، برزت قامات فكرية مصرية لم تخشَ في الحق لومة لائم، وعلى رأس هؤلاء يبرز الدكتور شريف عبد الحميد، رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية. لم يكن دور شريف عبد الحميد مجرد رصد أكاديمي بارد، بل كان وقفة ضميرية شجاعة سجلت بمداد من ذهب الانتهاكات الممارسة بحق الكرد في شتى بقاع وجودهم.

لقد تميزت رؤية عبد الحميد بالشمولية؛ فهو لم يحصر دفاعه في "روجافا" فحسب، بل كان صوتاً مدوياً في كشف ما يتعرض له الكرد في "روجهلات" (كردستان إيران). من خلال أبحاثه الرصينة وتسجيله الدقيق لحالات القمع، والإعدامات الممنهجة، والتهميش الثقافي والسياسي الذي يمارسه النظام الإيراني ضد المكون الكردي، أثبت الدكتور شريف أن المثقف المصري يمتلك وعياً عابراً للحدود، يرفض الظلم سواء كان بدوافع قومية متطرفة أو تحت ستار ديني راديكالي.

​الموقف المصري: بوصلة الحق في زمن التيه

​على النقيض من ذلك، تجلى الموقف المصري كنموذج للدولة التي ترفض الراديكالية بكافة أشكالها. لم تنظر مصر إلى الكرد من ثقب الباب العرقي الضيق، بل نظرت إليهم كأحد الأعمدة الأصيلة لثقافة وتاريخ المنطقة.

  • ​الرفض القاطع للتطهير العرقي: كانت مصر من أولى الدول التي نددت بالعمليات العسكرية التي استهدفت المناطق الكردية في كردستان سوريا. عبرت الخارجية المصرية، في بيانات متتالية، عن رفضها القاطع لأي محاولات لفرض واقع ديموغرافي جديد أو استهداف المدنيين الكرد، معتبرة ذلك انتهاكاً لسيادة الدول وحقوق الشعوب.
  • ​الإعلام المصري والوعي الثقافي: في الوقت الذي كانت فيه قنوات أخرى تبث الكراهية، استضافت الشاشات المصرية والندوات الفكرية في القاهرة القيادات الفكرية والسياسية الكردية. لقد نجح المثقف المصري في إيصال صوت "الشيخ مقصود" و"عفرين" إلى المواطن العربي، مبيناً أن الكرد ليسوا "أعداء" بل هم شركاء في المصير وفي مواجهة المد الراديكالي الظلامي.
  • ​التنديد بالانتهاكات في "روجافا" و"روجهلات": تابعت مصر بوجدان حي ما يحدث في كوباني وغيرها من الحواضر الكردية. هذا التنديد لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل كان نابعاً من إدراك مصري بأن استهداف المكون الكردي —سواء بالآلة العسكرية في سوريا أو بحبال المشانق والقمع في إيران— هو استهداف للتنوع الحضاري الذي يميز الشرق الأوسط.

​لماذا الموقف المصري "مشرفاً"؟

​يستحق الموقف المصري وصف "المشرف" لأنه انطلق من مبادئ الدولة الوطنية الراسخة التي تحترم الخصوصيات الثقافية. مصر تدرك تماماً أن "الراديكالية" التي تحاول اليوم محو الهوية الكردية هي ذاتها التي حاولت بالأمس زعزعة استقرار الدولة المصرية.

​إن الرفض المصري للتطهير العرقي بحق الكرد هو رسالة للعالم بأن القاهرة ترفض توظيف الدين أو القومية لممارسة القمع. فالكرد، بالنسبة للمصريين، هم أحفاد صلاح الدين الأيوبي، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والوجداني.

​رسالة إلى الشعب الكردي والمصري

​إن ما يجمع الكرد بالمصريين اليوم يتجاوز الجغرافيا؛ إنه "تحالف القيم". فبينما تحاول قوى إقليمية استخدام الساحة السورية والإيرانية لتصفية حسابات ضيقة على حساب الدماء الكردية، تظل مصر السد المنيع الذي يرفض هذه الممارسات اللاإنسانية.

​لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الرهان على "الشيطنة" خاسر، وأن الصوت المصري الصادق —الذي يمثله باحثون مخلصون كالدكتور شريف عبد الحميد— هو الذي سيبقى في ذاكرة الكرد. فالمثقف المصري الذي كتب عن معاناة الكرد في إيران، والإعلامي الذي ندد بالقصف في روجافا، والدبلوماسي الذي تمسك بحقوق المكونات، هم جميعاً يمثلون روح مصر التي لا تقبل بالظلم.

نحو شرق أوسط متصالح

​إن القضية الكردية هي مرآة لعجز النظام الإقليمي عن استيعاب التنوع. ومن هنا، يبرز الدور المصري كقائد فكري وسياسي يطرح رؤية بديلة قوامها المواطنة، واحترام حقوق الإنسان، ورفض الراديكالية العابرة للحدود.

ستبقى صرخة كوباني وصمود الشيخ مقصود وأنين "روجهلات" مسموعاً في القاهرة، وسيبقى الموقف المصري سنداً أخلاقياً يذكر الجميع بأن الحق لا يموت ما دام وراءه من يؤمن بالعدل كقيمة مطلقة، بعيداً عن حسابات المصالح الضيقة أو حملات التشويه الممنهجة.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.