لم تعد وحدة القوى السياسية في روجهلات ترفًا سياسيًا ولا مجرد استجابة ظرفية لتطورات إيران، بل أصبحت مسألة تتصل مباشرة بمستقبل القضية الكوردية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة. فمنذ عقود، واجه الشعب الكوردي في شرق كوردستان سياسات الإنكار والقمع والتهميش التي مارستها الدولة المركزية الإيرانية، من عهد الملكية إلى الجمهورية الإسلامية، فيما بقيت الحركة الكوردية، رغم امتلاكها تاريخًا طويلًا من النضال والتضحيات، عاجزة في مراحل كثيرة عن تحويل ثقلها الشعبي والتاريخي إلى مركز قرار قومي موحد.
و من هنا اكتسبت ولادة ائتلاف القوى السياسية لكوردستان إيران أهميتها؛ فهي ليست مجرد صورة جديدة للتوافق بين الأحزاب، وإنما محاولة لاستدراك واحدة من أبرز نقاط الضعف التاريخية في الحركة السياسية الكوردية: تعدد مراكز القرار في مقابل مركزية الخصم. غير أن قيمة الائتلاف لن تُقاس بعدد الأحزاب التي تجلس إلى طاولة واحدة، ولا بعدد البيانات المشتركة التي تصدر عنها، وإنما بقدرته على الانتقال من التنسيق السياسي إلى بناء إرادة قومية قادرة على التأثير في أي معادلة سياسية تتشكل داخل إيران.
والإشكالية لا تكمن في وجود اختلافات بين أحزاب روجهلات؛ فالاختلاف السياسي والفكري أمر طبيعي في أي حركة وطنية، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير ضمن إطار مؤسسي. المشكلة تبدأ عندما تتحول التعددية إلى تنازع على تمثيل القضية الكوردية، وعندما يصبح الحزب أكبر من القضية، أو يصبح الحفاظ على النفوذ التنظيمي أهم من بناء القوة الوطنية الجامعة. إذ أثبت التاريخ الكوردي أن الانقسام لا يحتاج إلى أن يكون عميقًا كي يكون مدمرًا؛ يكفي أن تتعدد الحسابات في اللحظة التي يحتاج فيها الشعب إلى موقف واحد.
وتتباين أحزاب روجهلات في رؤيتها لشكل المستقبل السياسي. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني يطرح الفدرالية ضمن إيران ديمقراطية، بينما يرفع حزب حرية كوردستان سقف المطالب باتجاه حق تقرير المصير والاستقلال، في حين ينطلق حزب الحياة الحرة لكوردستان «بيجاك» من مفهوم الكونفدرالية الديمقراطية ورؤية سياسية مختلفة ذات امتدادات فكرية عابرة للحدود، فيما يحمل كومله إرثًا يساريًا وتاريخًا فكريًا وتنظيميًا مغايرًا. هذه الاختلافات لا ينبغي أن تكون سببًا لتفكيك الصف الكوردي، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن دفنها تحت عنوان الوحدة؛ لأنها ستعود إلى الواجهة بصورة أكثر خطورة عندما ينتقل الصراع من مواجهة النظام إلى تحديد شكل النظام الذي سيأتي بعده.
فالأحزاب الكردية متفقة بدرجات متفاوتة على رفض النظام الإيراني وسياساته تجاه الكورد، لكنها ليست متطابقة في الإجابة عن سؤال «ماذا بعد؟». هل مستقبل روجهلات في إطار إيران فدرالية؟ أم أن حق تقرير المصير يجب أن يبقى مفتوحًا وصولًا إلى الاستقلال؟ وما حدود العلاقة بين القرار الكوردي في روجهلات والمشاريع الكوردية في الأجزاء الأخرى من كوردستان؟ ومن يمتلك حق تمثيل الشعب الكوردي في أي مفاوضات مستقبلية؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل دستورية مؤجلة، بل جوهر الصراع السياسي المقبل.
ولهذا فإن الخطأ الاستراتيجي سيكون في اختزال القضية الكوردية في مجرد الحصول على اعتراف ثقافي أو إدارة محلية موسعة بعد عقود من التضحيات. فالمعادلة الكوردية يجب ألا تبدأ من السؤال: «ماذا يمكن أن تمنح طهران للكورد؟»، وإنما «ما الذي يستطيع الكورد فرضه سياسيًا على أي سلطة مقبلة؟». الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حركة تنتظر الاعتراف بحقوقها وحركة تمتلك القدرة على تحويل حقوقها إلى واقع سياسي.
أما العلاقات الإقليمية والدولية، فهي اختبار آخر لاستقلال القرار الكوردي. لا يمكن للحركة الكوردية أن تسمح بتحويل روجهلات إلى ورقة في صراعات الآخرين مع طهران، كما لا يمكنها أن تتعامل مع المجتمع الدولي بمنطق العزلة السياسية. المطلوب ليس رفض الدعم الخارجي، وإنما امتلاك القدرة على قبوله دون الارتهان له. فالقضية الكوردية تحتاج إلى علاقات دولية واسعة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى قرار كوردي مستقل يعرف ما يريد، ومن يفاوض، وما الخطوط التي لا يمكن تجاوزها.
وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب وجود معظم القوى العسكرية والسياسية الكوردية الإيرانية في إقليم كردستان ، وما يفرضه ذلك من حسابات مرتبطة بأربيل وبغداد وأنقرة وطهران. غير أن الضرورات الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى تبعية سياسية. فالمصلحة الأمنية قد تفرض تكتيكًا، لكنها لا ينبغي أن ترسم مستقبل قضية قومية بأكملها. روجهلات ليست ملفًا أمنيًا في حسابات دول الجوار، بل قضية شعب له أرض وتاريخ وذاكرة سياسية وحق في تقرير مستقبله.
أما العمل المسلح، فلا ينبغي أن يتحول إلى معيار للمنافسة بين الأحزاب، ولا إلى نشاط منفصل عن القرار السياسي. القوة العسكرية تصبح ذات قيمة سياسية عندما تكون جزءًا من استراتيجية وطنية واضحة، لا عندما تتحرك وفق حسابات حزبية منفردة. المطلوب ليس عسكرة القضية الكوردية، بل إخضاع أدوات القوة كافة، السياسية والعسكرية والدبلوماسية والإعلامية، لهدف قومي واحد و محدد.
والأكثر خطورة من الخلاف الأيديولوجي هو الإرث التنظيمي للانشقاقات والمنافسات الداخلية. فقد أنتجت عقود الانقسامات واقعًا تتعدد فيه التنظيمات والقيادات ومراكز النفوذ، حتى بات جزء من طاقة الحركة الكوردية يُستهلك في إثبات الشرعية داخل البيت الكوردي بدل استخدامها في مواجهة المركز. وإذا لم يُعالج هذا الإرث، فإن أي تحول كبير في إيران قد يفتح الباب أمام تنافس داخلي على التمثيل بدل أن يفتح الطريق أمام استثمار اللحظة لصالح روجهلات.
لذلك فإن التحدي أمام الائتلاف ليس أن يجعل جميع الأحزاب متشابهة، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما أن يجعل اختلافها منظمًا داخل عقد سياسي واضح. المطلوب ميثاق وطني يحدد الحد الأدنى غير القابل للتراجع من الحقوق الكوردية، وآلية اتخاذ القرار، ومرجعية التمثيل السياسي، وموقفًا موحدًا من مستقبل روجهلات، مع ترك مساحة للأحزاب للاحتفاظ بهوياتها وبرامجها الخاصة. الوحدة الحقيقية ليست إلغاء التعدد، وإنما منع التعدد من تحويل القضية إلى ملفات سياسية متنافسة.
وفي هذه النقطة تحديدًا يجب أن ينتقل الخطاب الكوردي من «وحدة الأحزاب» إلى «وحدة القرار». فليس المهم أن تتفق القيادات على بيان، بل أن يعرف الخصم والمجتمع الدولي والشعب الكوردي نفسه من يتحدث باسم روجهلات عندما تبدأ مرحلة إعادة تشكيل إيران. وليس المهم فقط أن تتفق الأحزاب على إسقاط نظام ولاية الفقيه، بل أن تمتلك تصورًا مشتركًا لليوم الذي يلي سقوطه، حتى لا يتحول غياب الرؤية المشتركة إلى فرصة جديدة لإعادة إنتاج المركزية الفارسية بأدوات أكثر نعومة.
و أخطر ما يمكن أن يحدث لروجهلات هو أن يسقط النظام بينما تبقى القضية الكوردية بلا مركز قرار. ففي لحظات التحول الكبرى، لا تنتصر الشعوب التي تملك المظلومية الأكبر بالضرورة، وإنما تلك التي تمتلك التنظيم والرؤية والقدرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى مكاسب سياسية. والتاريخ لا يمنح الفرص مرتين بسهولة.
وعليه، فإن الائتلاف السياسي الراهن يجب ألا يكون نهاية مسار، بل بدايته. بداية الانتقال من التنافس الحزبي إلى الشراكة الوطنية، ومن البيانات إلى المؤسسات، ومن رد الفعل إلى صناعة الحدث، ومن انتظار ما ستقرره طهران إلى تحديد ما يجب أن يكون عليه مستقبل روجهلات. فالقرار القومي لا يعني أن يتبنى كل حزب الرؤية ذاتها، بل أن تتفق القوى الكردية على أن أي تسوية سياسية مقبلة لا يمكن أن تُفرض على الشعب الكوردي من فوق
فوحدة روجهلات لن تُختبر في زمن الضعف، بل في اللحظة التي يصبح فيها التغيير ممكنًا. عندها ستظهر قيمة الائتلاف الحقيقية: هل سيكون مجرد تجمع لأحزاب متعارضة المصالح تتفق على إسقاط الخصم، أم سيكون نواةً لقرار قومي كوردي قادر على التفاوض وفرض الشروط وحماية المكتسبات؟ هنا تحديدًا يقع الاختبار التاريخي.
فروجهلات لا تحتاج إلى وحدة شعارات، بل إلى وحدة إرادة؛ ولا تحتاج إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تنظيمه؛ ولا تحتاج إلى حزب أكبر من الآخرين، بل إلى قضية أكبر من جميع الأحزاب. وإذا استطاعت القوى السياسية الكوردية أن تجعل حق الشعب الكوردي في الحرية وتقرير المصير والمشاركة الحقيقية في رسم مستقبل أرضه فوق الحسابات الحزبية، فإن الائتلاف يمكن أن يتحول من استجابة لظرف استثنائي إلى نقطة تأسيس في التاريخ السياسي الحديث لروجهلات. أما إذا بقيت الوحدة محكومة بتوازنات القيادات والانقسامات القديمة وحسابات الجوار، فقد تتحول اللحظة التاريخية المقبلة إلى فرصة ضائعة جديدة، وهذه المرة لن يكون ثمنها سياسيًا فقط، بل قد يكون ثمنًا من مستقبل شعب كامل وضع مصيره بيد أحزابه.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية