لم تعد أزمة اليمن، بعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع، أزمة انقلاب سياسي أو نزاع مسلح تقليدي على السلطة، بل تحوّلت إلى نموذج مركزي لما يمكن تسميته في الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة بـ "هندسة التفكيك طويل الأمد"، حيث لا يجري تدمير الدولة دفعة واحدة، بل تفريغها تدريجيًا من وظائفها السيادية، وإعادة توزيع الجغرافيا والشرعية والقوة عبر كيانات وظيفية متنافسة، لكل منها داعم إقليمي، وسقف سياسي خاص، وخطاب مبرِّر مختلف.
إن ما كشفته مقالات هذه السلسلة الثلاثة السابقة لا يتمثل في تعدد الفاعلين بقدر ما يكمن في وحدة المشروع خلف هذا التعدد؛ مشروع لا يُعلن نفسه بوصفه تقسيمًا، لكنه يُمارَس على الأرض كحقيقة يومية، عبر أدوات عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وهوياتية، تعمل جميعها على إنتاج يمن مجزأ، هش، قابل للإدارة من الخارج، وعاجز عن استعادة منطق الدولة الجامعة.
في التحليل الكلاسيكي، جرى توصيف ما حدث في اليمن منذ 2014 باعتباره انقلابًا حوثيًا على الشرعية بخلفية إيرانية، غير أن هذا الوصف، رغم دقته الجزئية، بات قاصرًا عن تفسير ما تلا ذلك، فالانقلاب لم يبقَ حدثًا معزولًا، بل تحوّل إلى بوابة تأسيسية لمرحلة أعمق، أُعيد فيها تعريف الصراع من كونه صراعًا على الدولة، إلى صراع على بدائل الدولة.
هنا تحديدًا انتقل اليمن من مربع "الصراع السياسي" إلى مربع "الصراع البنيوي"، حيث لم يعد الهدف إسقاط حكومة أو تغيير نظام، بل تفكيك فكرة المركز ذاتها، وإضعاف أي إمكانية لعودة الدولة بوصفها إطارًا سياديًا جامعًا، وهذا ما يفسر بروز كيانات متوازية، ميليشيات انقلابية في صنعاء، كيان انفصالي في الجنوب، قوة عسكرية مستقلة في الساحل الغربي، ومناطق نفوذ رخوة في الشرق، جميعها تتعايش ضمن مشهد تفككي واحد.
يمكن توصيف ما يجري في اليمن اليوم عبر مفهومين متكاملين:
التفتيت الصلب
ويتمثل في:
وهو النموذج الذي تجسده سلطة الحوثيين في الشمال، وبعض التشكيلات المسلحة في الجنوب والساحل.
التفتيت الناعم
وهو الأخطر، ويتم عبر:
وهذا النمط هو ما تعمل عليه مشاريع مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، وبعض القوى المنضوية شكليًا تحت مظلة الشرعية، لكنها عمليًا تبني سلطات موازية.
الخطر الحقيقي لا يكمن في أحد النمطين منفردًا، بل في تراكبهما؛ إذ يتحول التفتيت إلى عملية طبيعية، مألوفة، بل ومقبولة لدى قطاعات من المجتمع المنهك.
أظهرت السلسلة أن الفاعلين المحليين -رغم اختلاف خلفياتهم وخطاباتهم- يلتقون عند نتيجة واحدة وهي: إضعاف الدولة اليمنية المركزية.
الاختلاف بينهم ليس في الجوهر، بل في آلية إدارة التفتيت، كل طرف يعمل ضمن مربعه، لكن المحصلة النهائية واحدة وهي: يمن بلا مركز، بلا قرار موحد، وبلا سيادة مكتملة.
لا يمكن فهم مشهد التفتيت بمعزل عن البيئة الإقليمية، فاليمن، بحكم موقعه الجغرافي الحاكم لمضيق باب المندب، وسواحله الطويلة، وعمقه السكاني، تحوّل إلى ساحة إدارة مصالح أكثر من كونه دولة يُراد لها التعافي.
في هذا السياق:
ورغم التباينات الإقليمية، يبقى الثابت أن قيام دولة يمنية موحدة وقوية لا يخدم مشاريع النفوذ العابرة للحدود، بل يهددها.
أحد أخطر مخرجات مرحلة ما بعد 2015 هو تحويل الشرعية من مشروع دولة إلى مظلة شكلية، تُستخدم أحيانًا لتبرير سلوكيات تقوض الدولة نفسها. فالشرعية التي لا تمتلك قرارها العسكري، ولا سيطرتها الجغرافية، ولا استقلالها السياسي، تتحول من أداة استعادة الدولة إلى غطاء لإدارتها من الخارج.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
إذا استمر المسار الحالي، فإن اليمن مقبل على:
وهو ما يعني عمليًا خروج اليمن من معادلة الدولة الحديثة، وتحوله إلى نموذج شبيه بدول التفكك المزمن، حيث لا حرب تحسم ولا سلام يُبنى.
ما الذي تبقى؟
لا تهدف هذه السلسلة إلى الدفاع عن سلطة بعينها، ولا إلى تبرئة أطراف أو إدانة أخرى بقدر ما تسعى إلى كشف البنية العميقة للصراع، وإعادة توجيه النقاش من سؤال "من يحكم اليمن؟" إلى سؤال أكثر خطورة:
هل سيبقى اليمن أصلًا؟ وبأي صيغة؟
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس الهزيمة العسكرية، بل التطبيع مع التفكك، واليمن اليوم يقف عند هذا الحد الفاصل:
وهنا، لا يكون السؤال عن الانفصال أو الوحدة، بل عن البقاء السياسي للدولة اليمنية نفسها.
ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية