هل تُحاكم إسرائيل بتهمة «الإبادة الجماعية»؟

- 22 يناير 2024 - 76 قراءة

جنوب أفريقيا تؤكد أن أفعال إسرائيل تحمل "طابع إبادة" لأنها مصحوبة بنيّة محددة لتدمير سكان غزة

 

بريتوريا: نستمد قوتنا من زعماء العالم الذين يقفون على "الجانب الصحيح" من التاريخ

 

محامون دوليون: حركة "حماس" ليست دولة... ولا يمكنها رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي

 

جلسات الاستماع سوف تستمر أكثر من عامين لتحديد ما إذا كانت "الإبادة الجماعية" قد حدثت من عدمه!

 

في أواخر ديسمبر/كانون الأول، وبعد نحو 80 يومًا من العدوان الإسرائيلي الدموي على قطاع غزة، رفعت دولة جنوب أفريقيا دعوى قضائية أمام "محكمة العدل الدولية" في لاهاي، طالبت فيها بمحاكمة قادة (إسرائيل)، بتهمة ارتكاب "أعمال إبادة" يجرّمها القانون الدولي، ضد المدنيين العزل من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة.

وقالت جنوب أفريقيا، وفق ما جاء في بيان رسمي أصدرته المحكمة في حينه، إن "أفعال إسرائيل وأوجه تقصيرها تحمل طابع إبادة جماعية، لأنها مصحوبة بالنية المحددة المطلوبة لتدمير سكان غزة، كجزء من المجموعة القومية والعرقية والإثنية الأوسع، أي الفلسطينيين".

وفي طلبها إلى محكمة العدل الدولية، أكّدت جنوب أفريقيا، إمكانية "الاستدلال على تلك النية من طبيعة العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة وسيرها، مع الأخذ في الاعتبار على وجه الخصوص، أن (إسرائيل) لم توفر أو تضمن الغذاء الأساسي والمياه والدواء والوقود والمأوى، وغيرها من المساعدات الإنسانية لأفراد الشعب الفلسطيني المحاصرين والعالقين، ما يدفعهم إلى حافة المجاعة".

وأوضحت بريتوريا، أنها لجأت إلى المحكمة "لإثبات مسؤولية (إسرائيل) عن الانتهاكات لاتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، وكذلك "لضمان الحماية العاجلة والأكثر اكتمالا للفلسطينيين". وطلبت من المحكمة إعلان إجراءات عاجلة "لحماية الشعب الفلسطيني في غزة".

ووفقًا للدعوى، فإن سلوك (إسرائيل) من خلال أجهزة الدولة ووكلاء الدولة، وغيرهم من الأشخاص والكيانات التي تعمل بناء على تعليماتها أو سيطرتها، يشكل انتهاكًا لالتزاماتها تجاه الفلسطينيين في غزة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.

وذكرت الدعوى أيضًا أن (إسرائيل)، ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على وجه الخصوص، فشلت في منع الإبادة الجماعية وفشلت في مقاضاة التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية". وطلبت جنوب أفريقيا من المحكمة الإشارة إلى تدابير مؤقتة من أجل حماية الفلسطينيين في غزة من أي ضرر جسيم إضافي وغير قابل للإصلاح بموجب الاتفاقية، ولضمان امتثال (إسرائيل) لالتزاماتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بعدم المشاركة في الإبادة الجماعية، ومنعها والمعاقبة عليها".

هذه ليست المرة الأولى التي يُطلب فيها من "محكمة العدل الدولية" إصدار حكم بشأن مدى التوافق بين السياسة الإسرائيلية والقانون الدولي، إذ إنها أصدرت، في سنة 2004، فتوى سابقة بعدم شرعية جدار الفصل الذي أقامته (إسرائيل) في الضفة الغربية المحتلة تجاهلتها (إسرائيل) كليًا، إلا أن الإجراء الذي اتخذته جنوب أفريقيا اليوم "يعتبر استثنائيًا"، لأن جنوب أفريقيا "ليست مجرد دولة، بل هي دولة نيلسون مانديلا، الذي هو أهم شخصية أخلاقية في العالم خلال المئة عام الماضية؛ رجل جعل من الكفاح ضد الفصل العنصري وتحرير الإنسان معركة حياته؛ الرجل الذي كان يقول دائمًا: "حريتنا غير مكتملة من دون حرية الفلسطينيين".

وحسب تشريعات المحكمة، جرت مداولة التدابير المطلوبة قبل التقييمات المتعلقة بمسؤولية (إسرائيل)، وذلك بموجب "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" لعام 1948، وهي الموضوع الرئيسي للقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا.

 

"جرائم إبادة" في غزة

 

على إثر ذلك، أرسلت حكومة بريتوريا إلى لاهاي، وفدًا مكوّنًا من ثمانية محامين، من ضمنهم المحامية عديلة حاسيم، عضو لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا، وجون دوجارد، المحامي الدولي المعروف، وتيمبيكا نجكوكايتوبي، وهو مدعي عام سابق، وماكس دو بليسيس، أستاذ القانون في جامعة كوازولو- ناتال بجنوب أفريقيا، وكبير الباحثين في برنامج الجرائم الدولية في أفريقيا في معهد دراسات الأمن، والمحامي البريطاني فوجان لوير.

ترأس الوفد وزير العدل رونالد لامولا الذي أوضح، في تصريح صحفي، أن بلاده عازمة على إنهاء "الإبادة الجماعية في غزة من خلال هذه المحاكمة"، مشيرًا إلى أن جنوب أفريقيا "تستمد قوتها من زعماء العالم الذين يقفون على الجانب الصحيح من "التاريخ".

وأوضح محامو جنوب أفريقيا أمام المحكمة أن حركة "حماس" ليست دولة، وبالتالي "لا يمكنها رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية، لذا فمن واجبنا أن نعرض الوضع في غزة أمامكم". وواحدًا تلو الآخر، وصف المحامون، سواء كانوا من جنوب أفريقيا أم لا، المعاناة التي يتحملها الفلسطينيون في غزة منذ الهجوم الإسرائيلي المضاد.

ووفقًا لما قاله وزير العدل ورئيس الوفد الجنوب أفريقي، فإنه "مهما كانت الفظائع التي ارتكبت في مستوطنات غلاف غزة، فلا يمكن لأي هجوم أن يبرر الأحداث والأعمال التي وقعت في غزة".

من جهته، قال تمبيكا نجكوكايتوبي، المحامي في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، إن "(إسرائيل) لديها نية الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة"، وأضاف أن هذه النية "واضحة في الطريقة التي يتم بها تنفيذ هذا الهجوم العسكري"، وجلية في "التصريحات المقدمة، والتعليقات الصادرة عن الوزراء الإسرائيليين أو أفراد الجيش".

وفي هذا السياق، ذكرت مراسلة صحيفة "الأومانتيه" الفرنسية، إليزابيت فلوري، في تقرير للصحيفة نشرته يوم التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول، أن هناك إحصائيات مُخيفة تم تحديثها قبل يومين: 23210 من الفلسطينيين قُتلوا على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، 70% منهم نساء وأطفال، 7000 مفقود، يُفترض أنهم مدفونون تحت الأنقاض، هُدم 350 ألف منزل، ونزح 85% من الفلسطينيين في غزة؛ تم إسقاط 6000 قنبلة، من بين أكثر القنابل تدميرًا في العالم.

وبحسب تقرير صحيفة "الأومانتيه" الفرنسية، يصر مقدمو الدعوى على أن هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات سريعة، فيقول أحد المحامين: "كل يوم، يُقتل 247 فلسطينيًا أو يتعرضون لخطر القتل، ومن بينهم 47 أُمًّا و117 طفلًا، ويتم بتر أطراف عشرة أطفال كل يوم، ويتضرر أو يدمر 3900 منزل؛ كل يوم، تلد 180 امرأة في هذه الفوضى، ذلك إن المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس وعشرات المباني تحولت إلى ركام، ويقتل منقذ كل يومين".

وحثّ محامو جنوب أفريقيا على أنه قبل أن تبت المحكمة في حقيقة "الإبادة الجماعية" التي قد تستغرق سنوات، فإنه يجب إصدار أمر فوري باتخاذ "تدابير مؤقتة لمنع الخطر".

ومن بين هذه الإجراءات: التعليق الفوري للعمليات العسكرية؛ وقف جرائم القتل والطرد والحرمان المختلفة؛ تقديم المساعدة الإنسانية لسكان غزة، بما في ذلك الوصول إلى ما يكفي من الوقود والمأوى والملابس ومرافق النظافة والصرف الصحي، فضلًا عن الإمدادات والمساعدة الطبية، وضمان امتناع المسؤولين الإسرائيليين وغيرهم عن أي تحريض مباشر وعلني لارتكاب الإبادة الجماعية، ومعاقبة من يفعلون ذلك، وفتح قطاع غزة أمام فرق التحقيق.

ويعتبر أستاذ القانون الدولي في جامعة بروكسل الحرة، فرانسوا دوبويسون، أن صدور حكم عن محكمة العدل الدولية بتفعيل التدابير الاحترازية، لكي تمتنع (إسرائيل) عن الأفعال الحربية وتسمح بتمرير المزيد من المساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة، سيكون حكمًا إلزاميًا وقد يصدر خلال أسابيع، لكن هذا لا يعني أن (إسرائيل) ستلتزم به، ذلك إن المحكمة لا تملك الوسائل اللازمة لتنفيذ أحكامها بالقوة، ولا يستطيع أن يفعل هذا إلا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولكن التدابير الاحترازية من شأنها أن تشكل وسيلة ضغط على الدول الأخرى، بحيث تزداد الضغوط على (إسرائيل)، بما في ذلك من حلفائها الغربيين، لوقف المذبحة في غزة.

 

"نفاق" جنوب أفريقيا!

 

في المقابل، نددت وزارة الخارجية الإسرائيلية بما أسمته "أحد أعظم مظاهر النفاق في التاريخ، بالإضافة إلى سلسلة من الأكاذيب التي لا أساس لها من الصحة"، متهمة جنوب أفريقيا بأنها "تعمل بمثابة الذراع القانوني لمنظمة حماس الإرهابية". وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن جنوب أفريقيا "تتهم (إسرائيل) بارتكاب إبادة جماعية بينما تكافح البلاد ضد الإبادة الجماعية"، مضيفًا أن القضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، كشفت أن "العالم انقلب رأسًا على عقب"، معربًا عن أسفه قائلًا: "إن نفاق جنوب أفريقيا صارخ"، وإن (إسرائيل) "ستواصل القتال ضد الإرهابيين حتى النصر الكامل".

كما انتقد زعيم المعارضة يائير لابيد، بالإضافة إلى العديد من السياسيين الإسرائيليين من جميع الأطراف، بشدة جلسة محكمة العدل الدولية. وفي بيان بالفيديو نُشر على موقع X، قال لابيد: "ليست (إسرائيل) هي التي تُحاكم اليوم، بل نزاهة المجتمع الدولي"، بينما صرّح وزير الاقتصاد نير بركات، بعد لقاء مع نائب المستشارة الألمانية روبرت هاباك في القدس: "بدلًا من اتخاذ إجراءات قانونية ضد حماس، توجه المحكمة المنافقة في لاهاي اتهامات باطلة ضد (إسرائيل)، وتنخرط في افتراءات معادية للسامية"، وأضاف: "معاداة (إسرائيل) هي معاداة السامية الجديدة"، في حين وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت المحكمة المنعقدة بـ "قضية دريفوس في القرن الحادي والعشرين"، وأضاف: "هذا عرض مخز للنفاق ومعاداة السامية الصارخة". من جانبه، صرّح وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بأنه "لم يسبق أن شارك هذا العدد الكبير من الكفار في مثل هذه الأكاذيب الدنيئة".

بدوره، ألقى رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوج باللوم على جميع الفلسطينيين في غزة في هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، قائلًا: "ليس صحيحًا هذا الخطاب حول عدم علم المدنيين أو عدم تورطهم فيه. هذا ليس صحيحًا على الاطلاق. كان من الممكن أن يرتفعوا. كان بإمكانهم القتال ضد ذلك النظام الشرير الذي استولى على غزة في انقلاب".

دلّت هذه التصريحات، على حقيقة أن حكام (إسرائيل) قد شعروا، لأول مرة، بأن سيف القانون الدولي مُسلط على رقابهم، وخصوصًا جراء الرمزية العالمية التي تتمتع بها جنوب أفريقيا، الدولة التي تقدمت بدعوى الإبادة الجماعية ضدهم.

وتعليقًا على ذلك، يرى جوناثان كتّاب، وهو محامٍ بارز في مجال حقوق الإنسان وزميل في "المركز العربي واشنطن دي سي"، من سكان القدس الشرقية، أن الأمل هنا يتركز فقط في محكمة العدل الدولية، وليس المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن الأخيرة يقع ضمن اختصاصاتها التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية.

ويقول كتّاب، إن "محكمة العدل الدولية" في لاهاي ربما توفر منتدى أفضل للفصل في جرائم الحرب التي ارتكبتها (إسرائيل) خلال الحرب الحالية على غزة من المحكمة الجنائية الدولية. ويصدق هذا بشكل خاص فيما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية التي تعتبر جريمة محددة ومحددة جيدا بموجب القانون الدولي. إن محكمة العدل الدولية هي محكمة راسخة مارست اختصاصها القضائي على النزاعات بين الدول حول مجموعة واسعة من المواضيع على مدى سنوات عديدة، ولا تخضع لنفس القيود السياسية التي تبدو عليها المحكمة الجنائية الدولية.

من جانبه، يقول الأكاديمي التركي الدكتور عبد الله مصعب شاهين، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة إسطنبول، "نستطيع تقييم الطلب الذي تقدمت به جنوب إفريقيا وجلسات الاستماع ذات الصلة بطرق مختلفة ومن وجهات النظر السياسية والتاريخية والقانونية. فمن الناحية السياسية، تبرز جنوب إفريقيا التي عاشت لسنوات طويلة تحت نير نظام عنصري، كدولة باتت طرفًا في صراع بعيد عن حدودها".

علاوة على ذلك، فإن الدعوى المرفوعة هي ضد نظام عنصري آخر. بالإضافة إلى ذلك، عند النظر إلى تاريخ العلاقات بين الدول العربية و(إسرائيل)، يمكن القول إن هذا الطلب وجلسات الاستماع، باتا يشكلان "علامة فارقة" في العلاقات الدولية المستقبلية.

ويرى د. شاهين، أن "محاولة جعل (إسرائيل) خاضعة للمحاسبة في هذه المشكلة المستمرة منذ عقود، تعتبر بلا شك محاولة ذات قيمة كبيرة، خصوصًا أن جنوب إفريقيا أشارت في طلبها المقدم للمحكمة إلى حقائق مثل نزع الملكية الممنهج والتشريد والتفكيك الديموغرافي، وإنكار (إسرائيل) لحق تقرير المصير والعودة"، موضحًا أنه من المرجح أن تستمر جلسات الاستماع لأكثر من عامين، لتحديد ما إذا كانت "الإبادة الجماعية" قد حدثت، من عدمه!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- جنوب أفريقيا تقاضي إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة "الإبادة الجماعية" في غزة، موقع الأمم المتحدة، 29 ديسمبر/كانون الأول 2023.

2- محاكمة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية.. الأمل في "العدل" وليس "الجنائية الدولية"؟، موقع الخليج الجديد، 15 ديسمبر/كانون الأول 2023.

3- جنوب إفريقيا ترفع دعوى إبادة جماعية على إسرائيل بمحكمة العدل الدولية، موقع العربية، 30 ديسمبر/كانون الأول 2023

 

.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابق على اطلاع على النشرة الإلكترونية

معلوماتك فى امان معنا! إلغاء الاشتراك في أي وقت.